ذهب بعضهم إلى أنه أمر به.
وعندنا: ليس بأمر به.
صورة ذلك قوله تعالى لنبيه ﵇: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ - المراد منه الطلب والأمر بالأداء، لا حقيقة الأخذ، فكان أمرًا بالأداء، وهذا ليس بأمر الأداء من الله تعالى، ولا يجب الأداء بمجرده، لكن بدلالة أخرى، وهو أن أمر النبي ﵇ واجب الطاعة، والإذن بترك ما أمر به إخلال بغرض الرسالة، فهذا هو الموجب لفعل ما أمر به، لا ذات الأمر بالأمر. وفي الجملة: كما أن أمر زيد بضرب عمرو لا يطلب من عمرو شيئًا، فكذلك أمر زيد بأمر عمرو لا يطلب من عمرو شيئًا.
[ ١١٦ ]
ودليلنا في ذلك أن هذه الأوامر تثبت على المصالح، ولا يمتنع تعلق المصالح بالأمر بالشيء على وجه يظهر أثر الأمر في المأمور بالأمر، ولا يتعلق ذلك بالمأمور بالأمر الثاني. وإذا جاز ذلك، لم يكن من موجبات الأمر الأول وضروراته وجوب الفعل على الثاني، بل ربما يتعلق المصلحة بأن يجب على الثاني الامتناع عن الفعل المأمور به، وهو كالسيد يقول لأحد عبيده: "مر عبدي الآخر فلانًا بكذا"، وغرضه اختبار حاله أو مصلحة أخرى تعلقت به. ثم يقول لعبده الآخر: فلان إذا أمرك بكذا فلا تطعه"، وغرضه من ذلك اختبار حال العبد الثاني، أو مصلحة أخرى تعلقت بامتناعه عن الفعل- دل عليه قوله ﵇: "مُروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعًا" هذا ليس خطابًا من الشرع للصبيان بالصلاة، بل هو أمر للآباء بالأمر بها لمصلحة أخرى سوى وجوب الصلاة على الصبيان.