(أ) وأما تخصيص الكتاب بالسنة- فجائز إذا استويا في إيجاب العلم والعمل، لأنه لما جاز أن تدلنا السنة على سائر الأحكام، جاز أن تدلنا على أن الله تعالى أراد بخطابه بعض ما تناوله، وقد خص النبي ﵇ قوله تعالى:
[ ٢٢٦ ]
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ بقوله: ﴿لا يتوارث أهل ملتين شتى﴾، وخص قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ بقوله: ﴿لا قطع في ثمرٍ ولا كَثرٍ﴾.
(ب) وأما تخصيص السنة بالسنة- فجائز عند الأكثرين. ومنع قوم من جواز ذلك.
والدلالة على جوازه، على نحو ما مر، أنه لا يمتنع تعلق المصلحة به، فجاز القول به.
دل عليه أنا وجدنا سننا خصت بأخرى، نحو قوله ﵇: "ما سقته السماء ففيه العُشر" خصه بقوله ﵇: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة". وخص قوله ﵇: "في الرقة ربع العشر" بهذا الحديث أيضًا. وروي عنه أنه: نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ثم رخص في السلم.
[ ٢٢٧ ]
والمخالف احتج، وقال: إن النبي ﵇ بُعث مبينِّناّ فلا يجوز أن تحتاج السنة إلى بيان- والجواب أن كونه مبيناّ لا يمنع أن يأتي بسنة محتاجة إلى البيان، فيبين سنة بسنة أخرى.
(ج) - وأما تخصيص الكتاب بالسنة بفعل الرسول ﵇-[فقد] وجب أن يعلم أن الخطاب متى ورد عامًا مقتضيًا تحريم أشياء، وقد فعل النبي ﷺ بعض ذلك، [هل] يدل على تخصيص العام، أو يحمل على أنه ﵇ مخصوص بذلك:
قال بعضهم: يدل على تخصيص العام.
وقال بعضهم: يدل على أنه مخصوص به.
والأول- أصح لأن الأصل مساواته لأمته في الأحكام، لما نذكره من وجوب التآسي بالنبي ﷺ. وإذا كان الأصل ذلك، فالإباحة في حقه تدل على الإباحة في حق غيره، وكان فعله في الدلالة على التخصيص كقوله- فكما جاز تخصيص العام بقوله، جاز تخصيصه بفعله- دل عليه أنه ﵇ أمر باتباع أفعاله، كما أمر باتباع أقواله بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقوله ﵇: "خُذوا عني مناسككم"، والصحابة ﵃ راجعوا أفعاله كما راجعوا أقواله- دل أنهما في بيان الحكم على السواء.
والدليل على جوازه وجوده: فإن النبي ﵇ خص قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ برجم ماعز.
[ ٢٢٨ ]
ووجه القول [الثاني]- الأول: أن قوله ﵇ يدل على الإباحة في حقه، لكونه معصومًا، والإباحة في حقه لا تدل على الإباحة في حق غيره، إذ المصالح تختلف باختلاف الأشخاص، والثاني: إن دل على الإباحة في حق غيره ظاهرًا، ولكن جواز كونه مخصوًا، بخلاف الظاهر، ثابت، فلم تكن الإباحة في حقه محكمًا في الدلالة على الإباحة في حق غيره، وظاهر العموم محكم في التحريم، فلا يجوز الاعتراض على المحكم بغير المحكم.
والجواب- إن فعله دل على الإباحة في حقه قطعا، ومع قرينة دليل التآسي وسابقة عموم التحريم في حق الكل، يدل على الإباحة في حق غيره، إذ لو لم يكن مباحا في حق غيره وكان مخصوصا بذلك، لبين دلالة كونه مخصوصاّ، كيلا يتوهم المكلف، بدلالة التأسي وسابقة عموم التخصيص في حق الكل، فكان الظاهر ما ذكرنا. يبقى هذا القدر: أن احتمال كونه مخصوصًا، بخلاف الظاهر، ثابت. ولكن هذا لا ينفي الأحكام في كونه دليلًا. ولو كان ينفيه: فهذا النوع من الاحتمال، وهو احتمال الخصوص، ثابت في العام، فجاز تخصيصه به. والله أعلم.