جوَّزه قوم.
وأنكره آخرون.
والمختار في ذلك تفصيل نذكره:
صورة المسألة- أن يأمر الله تعالى من لا يتمكن من الفعل، بشرط أن يتمكن منه، والمعلوم عند الله تعالى أنه لا يتمكن منه.
فمن ذهب إلى جوازه قال: إنه يجوز أن يأمر الله تعالى العبد بالفعل، مع علمه أنه لا يفعل قطعًا، وأثر المانع ليس إلا في انعدام الفعل.
[ ١١٧ ]
ومن أنكر ذلك قال: إن فائدة الأمر وجوب المأمور به، وصيرورته بحال: لو أقدم عليه يُثاب، ولو تركه يُعاقب. وهذا لا يحصل مع المنع.
ونحن نقول- الأمر فيه على التفصيل.
إما أن يراد بهذا الأمر حقيقة الأمر المقتضي للوجوب والطلب، أو يراد به التكلم بهذه الصيغة، لا لإرادة الإيجاب والطلب، بل لغرض آخر وفائدة أخرى:
- فالأول- لا يجوز أن يريد الله تعالى بالأمر الإيجاب والطلب، مع علمه أنه لا يتمكن منه، لأنه يصير مريدًا للشيء مع علمه أنه لا يحصل قطعًا، لأن إرادة الإيجاب إرادة كون الفعل بحال لو أخلَّ به يعاقب، مع أنه لا يصير الفعل بهذه الصفة، وهذا لا يجوز ممن يعلم بعواقب الأمور، بخلاف الواحد منا: فإنه لا يعلم أن المنع يزول أم لا.
وهذا بخلاف مَنْ أمر [هـ] الله [تعالى] بالفعل، ويعلم أنه لا يفعل مع التمكن منه، لأن ثبوت هذه الحالة للفعل يقف على التمكن من الفعل، لا على وجود الفعل. فإذا تمكن من الفعل، تحصل بإرادة الله تعالى من كون الفعل بهذه الصفة، وإن كان يعلم أنه لا يوجد، إلا أن يقول قائل: جاز أن يريد الله تعالى ما علم أنه لا يوجد، كما أراد الإيمان من الكفار مع علمه أنهم لا يؤمنون، وهذا خلاف المذهب السديد، وقد عرف في موضعه.
[ ١١٨ ]
- وأما الثاني- قلنا: يجوز أن يأمر الله تعالى على هذا الوجه ويريد الصيغة غير الإيجاب والطلب. ولا يلزم من ذلك الإغراء بالجهل، لأنه لم يأمره به مطلقًا، بل قيده بشرط زوال المانع، فالمكلف يعتقد الوجوب بشرط أن يزول المانع، وإذا لم يزل المانع يعتقد أنه ما أراد به الإيجاب.
فإن قيل: إذا لم يرد به الإيجاب فما الذي أراده؟ وما فائدة هذا الأمر مع علمه تعالى أنه لا يتصل به الوجوب؟ - قلنا: فيه فائدة، وهو اختبار حال المكلف: أنهي قبل الأمر، على تقدير زوال المانع، والعزم عليه والاعتقاد لوجوبه إن قدر عليه، وفيه فوائد أخر- وهذا القدر كاف. والله أعلم.