اعلم أن من قال لغيره "افعل" ثم قال له "افعل"، لا يخلو: إما أن يتناول الأمر الثاني مثلما تناول الأمر الأول، أو تناول ما يخالف من تناوله الأمر الأول.
- فإن تناول ما يخالف ما تناوله الأمر الأول، نحو أن قال "تصدق"، ثم قال "صلَّ"، فلا شبهة في أنه يفيد مأمورًا به آخر، سواء كان بحرف العطف أو لا بحرف العطف، لأنه لا يمكن صرفه إلى ما تناوله الأول لمخالفة بينهما.
- فإن تناول مثلما تناوله الأول، بأن قال له "تصدًّق" ثم قال له "تصدق" فلا يخلو: إما إن ذكره بحرف عطف، أو بغير حرف عطف:
(أ) - فإن لم يكن مذكورًا بحرف عطف، بأن قال له "تصدق" ثم قال له "تصدق":
قال بعض المتكلمين: إنه يفيد مأمورًا به آخر، إلا أن يمنع من ذلك العادة، نحو إن قال "اسقني" ثم قال "اسقني": ينصرف إلى ما تناوله الأول، لأن العادة تمنع من تكرار السقي في حالة واحدة، فحمل على الأول. أو كان معرفًا بالألف واللام، نحو إن قال: "صلِّ ركعتين- صلِّ الصلاة"- لأن لام الجنس إذا دخل في الكلام ينصرف إلى المعهود السابق. أما إذا عرى عن هذين القسمين، [فـ] يفيد مأمورًا به آخر.
[ ١٣٩ ]
وقال بعضهم: يحمل على الأول.
وقال بعضهم بالتوقف فيه، وهو المختار.
أما الأولون: [فقد] ذهبوا في ذلك إلى أن الأمر للوجوب، الوجوب، تقدمه أمر آخر أو لم يتقدمه.
- لأن الصيغة لا تختلف، وإنما تفيد الوجوب إذا حمل على مأمور به آخر، أما إذا حمل على الأول، فلا يفيد الوجوب، لأن الأول أفاد الوجوب مرة، فلا يفيده الثاني.
- ودليل آخر: أن الأصل في الألفاظ إذا تغايرت أن تتغاير معانيها، لنه لو لم تتغاير المعاني كان المراد بالكل واحدًا، وفي ذلك إخلاء بعض الألفاظ عن الفائدة. ولا يقال بأن الثاني لو حمل الأول يفيد فائدة، وهو التأكيد، وذا غير حاصل بالأول، فلم يكن في حمله على الأول إخلاؤه عن الفائدة، لأنا نقول: الأمر يقتضي إيجاب الفعل، وتأكيد إيجاب الفعل غير إيجاب الفعل، فكان حمل الأمر عليه حملًا له على خلاف ما يقتضيه.
وأما من قال بأنه يحمل على الأول [فـ] نقول: إن تكرار الأمر يحتمل التأكيد، وهو شائع في اللغة: يقال "عجل عجل- ارم ارم"، ويحتمل مأمورًا به آخر، فيحمل على التأكيد، لأنه متيقن.
[ ١٤٠ ]
وإنا نقول: الأمر يقتضي إيجاب الفعل مطلقًا، والحمل على مأمور به قولٌ بإيجاب الفعل، والحمل على المأمور به الأول قول بإيجاب الفعل به، لأن إفادة الأمر [هو] الوجوب، بمعنى كونه دلالة على الوجوب أو مقتضيًا للوجوب، لا بمعنى أنه يجعل المأمور به واجبًا، وكون الأمل دلالة على الوجوب ومقتضيًا له لا يمنع كون الثاني دلالة على الوجوب ومقتضيًا له، فإذا صح حمله على كل واحد منهما، ولا دليل يدل على تعيين أحدهما- فنتوقف فيه.
وفي هذا جواب عما قالوه أولًا وثانيًا، لما مر: أن الحمل على الأول قول بتحدد فائدة اللفظ، لأن فائدة اللفظ وضعًا هو الوجوب، والحمل على مأمور آخر قول بتحدد فائدة اللفظ أيضًا، ولا دليل على تعيين أحدهما، لأن الأمر يقتضي إيجاب الفعل مطلقًا، وفي حمله على الأول تقييد بذلك، فيجب القول بالتوقف إلى أن يقول الدليل على المراد.
(ب) - هذا كله إذا ذكر الأمر الثاني بغير حرف عطف. فلو ذكر معطوفًا على الأول غير معرف بالألف واللام، فلا شبهة أنه يفيد غير ما أفاده الأول، لأن ظاهر العطف يقتضي المغايرة. وإن كان معطوفًا على الأول معرفًا بالألف واللام، نحو أن قال: "صلِّ غدًا ركعتين" ثم قال: "وصلِّ الصلاة"، فهو على الوقف، لأنه لو حمله على الأول كان فيه عمل بظاهر لام الجنس وترك للعمل بظاهر العطف، ولو حمل على غير ما أريد بالأول، كان الأمر على العكس وليس أحدهما بالمصير إليه بأولى من الآخر، فنتوقف فيه.
* * *
[ ١٤١ ]
هذا [كله] فيما إذا كان الفعل فيما يحتمل التزايد والتكرار، أما إذا كان لا يحتمل التزايد والتكرار بأن قال: "اقتل زيدًا" ثم قال: "اقتل زيدًا" أو قال: "صم يوم الجمعة" ثم قال: "صم يوم الجمعة"، يجعل الثاني تأكيدًا للأول كيفما كان، لأنه لا يمكن أن يراد بالثاني غير ما أريد بالأول.
* * *
وكذلك إذا ورد الأمران عامين بأن قال: "اقتل كل إنسان" أو قال: "صم كل يوم" ثم قال: [اقتل كل إنسان، أو قال:] "صم كل يوم" لما ذكرنا.
وأما إذا ورد الأول عامًّا، والثاني خاصًّا، وهو معطوف عليه، بأن قال: "صم كل يوم وصم يوم الجمعة":
ذهب بعضهم إلى أن يوم الجمعة غير راد بالأول لظاهر العطف.
والصحيح أنه على التوقف، لأنه ليس بأن يترك ظاهر العموم بأولى من أن يترك ظاهر العطف، فتعين القول فيه بالتوقف.
وإن كان الأول عامًّا، والثاني خاصًّا غير معطوف عليه، يجعل الثاني تأكيدًا للأول، لأن الأول أوجب الاستغراق بلا معارضة، فلم يبق شيء من ذلك الجنس يراد بالثاني، فيجعل تأكيدًا له ضرورة.
[ ١٤٢ ]