ذهب أصحابنا إلى أنه لا يدل على فساد المنهي عنه، وهو الظاهر من مذهب المتكلمين.
وقال أصحاب الشافعي: إنه يدل على فساد المنهي عنه.
وقال بعضهم: إنه في العبادات يدل على فساد المنهي عنه، دون العقود والإيقاعات.
فنبين أولًا معنى وصفنا التصرف بأنه صحيح وفاسد وباطل، وجائز وغير جائز.
أما معنى وصفنا التصرف بأنه "صحيح"-[فـ] هو أنه يفيد الغرض المطلوب منه، وإنما يكون ذلك بوجود ركن التصرف مستوفيًا للشرائط التي يقف عليها حصول الغرض المطلوب فيه.
[ ١٤٨ ]
وقولنا "فاسد" و"باطل" يفيد نفي ذلك. وإنما يكون كذلك إذا لم يستوف الشرائط التي يقف عليها حصول الغرض المطلوب بالتصرف.
وقولنا "جائز" يجري مجرى قولنا "مجزئ"، وهو أن يكفي لحصول الغرض المطلوب بالتصرف.
وقولنا "غير جائز" يفيد نفي ذلك.
فإذا قلنا "بيع صحيح" و"بيع جائز" يفيد معنى واحدًا، وهو ما ذكرناه. وقولنا: "بيع باطل" و"بيع فاسد" يفيد معنى واحدًا، وهو ما ذكرنا.
وإنما وصفنا البيع المنهي عنه، كبيع الربا وغيره، بالفساد، مع كونه مفيدًا للملك، بطريق التوسع والمجاز، لمجاورة الأمر الفاسد إياه، لا أن عين البيع فاسد.
* * *
إذا ثبت هذا نقيم الدلاة على أن النهي عن المشروعات لا يدل على فساد المنهي عنه، بهذا المعنى- فنقول:
لو دل عليه: [فـ] إما أن يدل عليه بلفظه، أو بمعناه وقضيته.
- لا وجه إلى الأول، لأن النهي ما وضع للفساد على هذا التفسير، وكيف يجوز أن يقال ذلك وإن العرف قد تنهي عن العبادات والعقود الشرعية، وتعتقد ذلك نهيًا حقيقية، مع اعتقادهم لكونها مفيدة للأغراض المطلوبة منها، كالصلاة في الأرض المغصوبة وغيرها. ولأن الفساد أمر شرعي، والنهي لفظ لغوي، فلا يجوز أن يكون مستفادًا من قضية النهي.
- ولا وجه إلى الثاني، لأن معنى النهي وجوب الانتهاء، ووجوب الانتهاء
[ ١٤٩ ]
لا يدل على الفساد، فإن الإنسان قد يجب عليه الانتهاء لغرض آخر مع حصول الغرض المطلوب منه، وهو ما يتشاغل به عن واجب آخر، أو ما فيه من ارتكاب محظور، كالبيع وقت النداء، والطلاق حالة الحيض- دل على صحة الجمع بينهما ونفي التناقض عنه، أن الشارع لو قال لواحد: نهيتك عن استيلاد جارية الابن، لكن لو فعلت ملكت الجارية" و"نهيتك عن الطلاق حالة الحيض لكن لو فعلت بانت زوجتك"، و"نهيتـ[ـك] عن إزالة النجاسة عن الثوب، والتوضؤ بالماء المغصوب، لكن لو فعلت طهر ثوبتك وبدنك" فشيء من هذا ليس متناقضًا، بخلاف قوله: "نهيتك عن الطلاق وأمرتك به" لأن موجب اللفظين متناقض.
فثبت أن النهي لا يدل على ذلك: لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى- فلا يدل عليه أصلًا.
فإن قيل: النهي عندنا يدل على فساد المنهي عنه بواسطة القبح، لأن أدنى درجات المشروع أن يكون مباحًا، والقبح ينفي ذلك- قلنا: النهي يدل على أن المنهي عنه اختص بجهة من جهات القبح نحو كونه سببًا للتشاغل عن واجب آخر وغيره على ما مرَّ. واختصاص الفعل بجهة من جهات القبح لا يخرجه من أن يكون مفيدًا للغرض المطلوب منه ومسقطًا للفرض، كالبيع وقت النداء والصلاة في الأرض المغصوبة: فإنهما اختصا بجهة من جهات القبح، وهو التشاغل عن الجمعة وشغل أرض الغير، وذلك لا يخرجه عن كونه محصلًا للغرض المطلوب منه ومسقطًا للفرض.
والمانع من سقوط الفرض بالصلاة في الأرض المغصوبة، فهو محجوج بإجماع الأمة على ترك تكليف الظلمة، عند التوبة، قضاء الصلوات المؤداة في الأراضي المغصوبة.
[ ١٥٠ ]
والفقه فيه أنه لا تنافي بين اختصاص الفعل بجهة من جهات القبح لأجله ينهي عنه، واختصاصه بجهة تصير المصلحة المطلوبة من الإيجاب مستوفاة باعتبارها، وكونه منهيًا عنه لا يمنع كونه مفيدًا للغرض ومسقطًا للتكليف بهذه الواسطة.
والمخالف احتج بأشياء:
- منها: إجماع السلف على الاستدلال بالنواهي على الفساد، نحو احتجاجهم على فساد الربا بقوله تعالى: ﴿وذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾، ونحو احتجاج عمر ﵁ [وابنه]، في نكاح المشركات ونكاح المحارم، بالنهي.
- ومنها: أن الأمر يدل على إجزاء الفعل المأمور به، فالنهي وجب أن يدل على نفيه، لأنه ضده.
- ومنها قوله ﵇: "من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو ردٌّ" والمنهي عنه ليس من الدين، فيجب رده. فمن جعله مثبتًا لحكمه فهو خالف الحديث.
[ ١٥١ ]
والجواب:
- أما الأول، قلنا: المنقول احتجاجهم بالنهي للمنع والتحريم، لا للمنع من إفادة الغرض. ولو ثبت ذلك فهو من بعض الأمة لا من جميعهم، فلا يكون إجماعًا.
- وأما الثاني، قلنا: ولم يجب، إذا دل الأمر على الإجزاء، أن يدل النهي على نفي الإجزاء، بل يجب إذا دل الأمر على الإجزاء أن لا يدل النهي على الإجزاء، لأنه ضده. وعندنا: الإجزاء لا يثبت بالأمر، بل بدليل آخر، على أن كون النهي ضد الأمر يقتضي أن يفيد ضد ما أفاده الأمر، وقد أفاد، لأن الأمر يفيد وجوب الفعل والنهي يفيد حرمته.
فإن قيل: الأمر إنما يدل على الإجزاء، لأنه أفاد كون الفعل على صفة زائدة على أصل الفعل من وجوب أو ندب، والنهي يمنع ذلك- قلنا: يجوز أن يعرف الإجزاء بدليل آخر، لا بما ذكرتم، وهو أن يقول: "لا تصلوا في أرض مغصوبة ولو صليتم أجزأتكم" و"لا تبيعوا وقت النداء ولو بعتم ملكتم"، أو يعرف الإجزاء بالبقاء على حكم الأصل، والنهي لم يدل عليه- فثبت أن النهي لا يسد علينا طريق معرفة الإجزاء، فلا يدل على نفيه.
- وأما الثالث- قلنا: معنى قوله: إن المنهي عنه ليس من الدين- إن عني به أنه غير مفيد لحكمه، فهو موضع النزاع. وإن عني به أنه ليس بحسن ولا مرضي، كالدين، فنحن نقول به، ولا كلام فيه.
- ثم نقول: إن المراد من قوله "فهو ردٌّ" نفي الإثابة، لأن الرد ضد القبول، وقبول الفعل هو الإثابة عليه، فإنا ندعو الله بقبول الطاعات ونطلب منه الإثابة عليها. ونحن نقول: إن المباشر للفعل المنهي عنه لا يثاب عليه.
[ ١٥٢ ]
وأما من فرق بين العبادات والعقود-[فقد] ذهب في ذلك إلى أن الغرض من العبادات إسقاط التعبد بها، وكون الشيء منهيًا عنه يمنع كونه داخلًا تحت التعبد، فكيف يسقط بفعله التعبد؟ ولأن سقوط التعبد بفعل الطاعة يقف على نية القربة والطاعة، ونية التقرب والطاعة بالمنهي عنه محال.
والجواب:
- قلنا: سقوط التعبد [يكون] باستيفاء المصلحة الملطوبة من الإيجاب وتحصيل الغرض المطلوب من التعبد، ولا يمتنع كون الفعل بحال يستوفي به الغرض المطلوب من التعبد والمصلحة المطلوبة من الإيجاب، مع كونه منهيًا عنه واختصاصه بجهة من جهات القبح على ما مرَّ.
- وأما نية التقرب، قلنا: نية التقرب ليس بشرط في جميع المواضع، بل الشرط فيه نية أداء ما وجب عليه. وإن كان ذلك شرطًا، فالمكلف ينوي به التقرب من حيث اشتمل على استيفاء المصلحة، لا من حيث إنه منهي عنه، كالمصلِّي في أرض مغصوبة ينوي التقرب إلى الله بهذه الأفعال من حيث إنها خضوع وتعظيم لله تعالى، لا من حيث إنها شغل أرض الغير.