ولما ثبت أن من مذهبنا أن من الأفعال ما يفسد بالنهي، ومنها ما لا يفسد- فلا بد من ذكر ما يفصل بينهما.
والذي حصله المتقدمون من أصحابنا، وهو مروي عن الكرخي ﵀، أن النهي متى ورد لمعنى يختص بالشيء يوجب فساده، ومتى ورد لا لمعنى يختص به لا يوجب فساده.
[ ١٥٣ ]
وهو قريب مما قاله القاضي الإمام أبو زيد ﵀: إن النهي إذا ورد لمعنى في عينه يوجب فساده، ومتى ورد لمعنى في غيره لا يوجب فساده.
وإنما كان كذلك- لأن النهي، لعينه أو لمعني يخصه، نهى عنه من حيث يفيد الغرض المطلوب منه، فيوجب المنع من الغرض المطلوب منه، وفيه إخراجه من أن يكون مفيدًا للغرض.
فإن قيل: بماذا يعرف كون النهي واردًا لمعني يخص الشيء أو لعينه، وكونه واردًا لا لمعنى يخصه أو لغيره- قلنا: في ذلك وجهان:
أحدهما- أن النهي عن الشيء لا يكون إلا لاختصاصه بوجه من وجوه القبح على ما مر. وذلك الوجه قد يكون أمرًا لا بد من وقوع الفعل عليه، حتى يسمى باسمه، كاسم الظلم: فإنه إنما يسمى ظلمًا لوقوعه غير موقعه، وجهة القبح الذي نهى عنه لأجله [هي] هذه الجهة بعينها وهو وقوعه غير موقعه. وكذا الكفر، ونحو ذلك. وقد يكون أمرًا لا تعلق لاسم الفعل به، كالصلاة في الأرض المغصوبة: فإن تسميتها صلاة ما كانت لوقوعها في أرض مغصوبة، وجهة القبح التي نهى عنه لأجلها [هي] هذه الجهة، وهو وقوعها شغلًا لأرض الغير بغير إذنه. فغن كان الفعل قبيحًا ومنهيًا عنه: بجهة يسمى باسمه لوقوعه عليها
[ ١٥٤ ]
سميناه "حرامًا لعينه" و"منهيًا عنه لمعنى يخصه"، وإن كان بجهة لا تعلق لاسمه به سميناه "حرامًا لغيره" و"منهيًا عنه لا لمعنىيخصه".
والثاني- إنما نعرف ذلك بأن قام الدليل على أن لصحة التصرف شرائط، ثم ورد النهي عنه لفقد شرط منها- علمنا أن ذلك إنما ورد لمعني يختص به، ولمعني في عينه، كبيع الملاقيح والمضامين وبيع الحُر والصلاة بغير طهارة: فإن من شرائط صحة البيع أن يكون المبيع مالًا وقد عدم هذا في الحُر والمضامين. والطهارة شرط للصلاة شرعًا فإذا ورد النهي عن الصلاة بغير الطهارة علمنا أنه إنما ورد لفقد شرطه. ومتى ورد النهي لا لفقد شرطه لم يكن واردًا "لمعنى يخصه" أو "لمعنى في عينه". مثاله: البيع وقت النداء، والتوضؤ بماء مغصوب، والصلاة في أرض مغصوبة. فإن جميع شرائط صحة البيع موجودة وقت النداء، والنهي ما ورد لفقد شرط من شرائطه وإنما ورد لترك السعي. وكذا التوضؤ بماء مغصوب: فإن شرط صحة الوضوء كون الماء طاهرًا مزيلًا للنجاسة، والمال المملوك والمغصوب في ذلك سواء. وكذا الصلاة في الأرض المغصوبة: فإن أركان الصلاة كلها موجودة بشرائطها من القيام والقراءة والركوع والسجود، وإنما ورد النهي عنه لما فيه من شغل أرض الغير، فكان النهي عنها لغيرها لا لعينها. فإن قيل: صحة الصلاة مختصة بالقيام والركوع والسجود، والشغل يحصل بهذه الأشياء، فكان النهي واردًا لمعنى يخص الصلاة-
[ ١٥٥ ]
قلنا: القيام والركوع والسجود: إن كان يوجد بفعل العبد واختياره، فمن هذا الوجه هي [والشغل] فعل واحد، وأما من حيث إنها صلاة وغصب [فـ] متغايران، فإن هذه [الأفعال] إنما كانت صلاة من حيث إنها منبئة عن الخضوع والخشوع والتذلل لله، لا لكونها شاغلة لأرض الغير، إذ قد يعقل كونه غاصبًا وشاغلًا أرض الغير من [لا] يعلم كونه مصليًّا، ويعلم كونه مصليًّا من لا يعلم كونه غاصبًا وشاغلًا أرض الغير، فهما جهتان مختلفتان لهذا الفعل، فجرى مجرى فعلين منفصلين، فكان النهي واردًا لا لمعنى يخص الصلاة، فلا يوجب فسادها.
والله أعلم.
[ ١٥٦ ]