وأما الجمع المنكر العاري عن الإضافة والألف واللام، كقولنا: "رأيت رجالًا":
[فـ] قال بعضهم: يقتضي الاستغراق.
وقال بعضهم: يتناول الثلاث فصاعدًا إذا تجرد عن قرينة الاستغراق.
والدلالة على ذلك أن قوله: "رأيت رجالًا": هذا اسم جمع، بدليل أنك ترتقي من التثنية إليه، فتقول: "رجل" و"رجلان" و"رجال ثلاثة"، ومعنى الجمع ثابت في الثلاث، كمن قيل له: "اضرب رجالًا" فأتى ثلاثة من الرجال فضربهم، فقد فعل ما يوصف بأنه ضارب رجالًا، فصار ممتثلًا
[ ١٨٣ ]
للأمر، كمن قيل له: "ادخل الدار" فإذا دخل من الدار في أولها ولحقه اسم داخل الدار، صار ممتثلًا- كذا هذا.
وأما من حمله على الاستغراق-[فـ] قال بأن الاستغراق فائدة هذا اللفظ في الجملة، بدليل أنه جاز أن يراد به الاستغراق، ولأنه للجمع، ومعنى الجمع ثابت في الثلاث وفي الكل- فيحمل على الاستغرق، حملًا له على جميع فوائده.
والجواب: لم قلتم بأن حمل اللفظ على جميع فوائده واجب؟ وما أنكرتم أنه يحمل على أقل حقيقته وفوائده، لأنه متيقن، وما زاد على ذلك مشكوك فيه.
وأما قوله: "افعلوا" و"اضربوا" ونحو ذلك- قال بعضهم: إنه على الخلاف. والصحيح أن يقال: هذا اللفظ لا بد أن يتقدمه اسم أو ما يجرى مجرى الاسم، كالإشارة للحاضرين، لأنه لا يفيد بدونه. فإن تقدمه اسم يستغرق، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، أو إشارة إلى الكل- حمل عليه، وإن كان ما تقدمه من الاسم أو الإشارة غير مستغرق، لا يحمل عليه.
والله أعلم.