اعلم أن الباب مشتمل على مسألتين:
إحداهما- إن قولنا "جمع"- ما الذي يفيده: في اللغة، والعرف؟
والثانية- إن الألفاظ التي توصف بأنها جمع- ماذا تفيده؟
[ ١٨٤ ]
أما الأولى:
فقولنا "جمع" من جهة اللغة: الاشتقاق يفيد ضم شيء إلى شيء، لأنه مأخوذ من الاجتماع، وهو الانضمام لغة.
وأما [في] عرف أهل اللسان: [فـ] يفيد ألفاظًا مخصوصة، وما ارتقيت من التثنية إليه، كالرجال والنساء والدواب.
وأما الثانية:
وهو أن الألفاظ التي توصف بأنها جمع- هل تفيد الاثنين على الحقيقة أم لا؟
ذهب الأكثرون إلى أنها لا تفيد ذلك.
وذهب البعض إلى أنها تفيد، وهي حقيقة في الاثنين فصاعدًا.
دليلنا في ذلك -أن الجمع ينعت بالثلاث، والثلاث ينعت بالجمع، ولا ينعت الجمع بالاثنين ولا الاثنين بالجمع- يقال: رجال ثلاثة وثلاثة رجال، ولا يقال: رجال اثنان واثنان رجال، فلو كان حقيقة في الاثنين لكان ينعت به، كما ينعت بالثلاث.
دليل آخر- إن الجمع اختص بألفاظ على حدة، في المصرح والكتابة- يقال: "رجل" و"له" و"لك". و"رجلان" و"لهما" و"لكما". و"رجال" و"لهم" و"لكم"- فكما لا يكون الواحد جماعة، لا يكون الاثنان جماعة، تحقيقًا لتغاير المعاني عند تغاير الألفاظ والأسامي.
[ ١٨٥ ]
وأما المخالف- فقد احتج بالاشتقاق والاستعمال:
أما الاشتقاق- فهو أن الجمع مأخوذ من الاجتماع والانضمام، وهو حاصل في الاثنين، كما أنه حاصل في الثلاث.
وأما الاستعمال- فهو قوله تعالى: ﴿ودَاوُدَ وسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ﴾ إلى قوله: ﴿وكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾. وقال تعالى لموسى وهارون: ﴿إنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ وهما يوسف وأخوه. دلَّ عليه قوله ﵇: "اثنان فما فوقهما جماعة" أخبر أن الاثنين جمع.
والجواب:
أما الاشتقاق- قلنا: الجمع مأخوذ من اجتماع خلص، وهو اجتماع الثلاث، وموضوع له، لا لمطلق الاجتماع لما ذكرنا، وهذا لا يوجد في الاثنين.
وأما الاستعمال- قلنا: أولًا: لا نسلم بأن لفظ الجمع في هذه المواضع استعمل في الاثنين، بل في الثلاث وما فوقه.
وأما قوله تعالى: ﴿وكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي حكمهما مع الجمع المحكوم عليهم. وقوله تعالى: ﴿إنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾ يعني موسى وهارون
[ ١٨٦ ]
وفرعون وقومه. وقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أراد يوسف وأخاه والأخ الأكبر الذي تخلف عن الإخوة.
والثاني: إن أريد به الاثنان، فهو مجاز، بدليل ما ذكرنا.
وأما الحديث- فمحمول على أن حكمهما حكم الجماعة في انعقاد الصلاة بجماعة وانعقاد الجمعة بهما عند بعض العلماء. [و] المارد من الحديث بيان الحكم الشرعي لا بيان الاسم اللغوي. والخلاف في: الاثنين هل يفيدهما اسم الجمع، في موضوع اللغة، أم لا؟ . والله أعلم.