اعلم أن الخطاب أنواع:
منها- ما يختص الذكور ولا يتناول الإناث، كقولنا: "رجال".
ومنها- ما يخص الإناث ولا يتناول الذكور، كقولنا: "نساء".
[ ١٨٨ ]
ومنها- ما يستعمل في الذكور والإناث، وذلك ضربان:
أحدهما- ما لا يتبين فيه وجه التذكير والتأنيث، ككلمة "من"- فهذا يتناول كل عاقل، كرًا أو أنثى.
والآخر- ما يتبين فيه وجه التذكير والتأنيث، كقولنا "المسلمون" و"المسلمات" و"قاموا" و"قمن".
وأجمعوا أن ما يتبين فيه وجه التأنيث لا يتناول الذكور.
وأما الوجه الذي يتبين فيه وجه التذكير- اختلفوا فيه: أنه هل يتناول الإناث أم لا؟ .
فالأكثرون على أنه لا يتناولهن إلا إذا اقترنت به قرينة الإرادة.
وقال بعضهم: يتناولهن.
والدليل على صحة المذهب الأول- أن للذكور جمعًا ينفصل عن الإناث، وللإناث جمعًا ينفصل عن الذكور، فلا يجوز أن يدخل احدهما في الآخر، ولهذا لم يدخل الذكور في جمع الإناث، فكذا الإناث لا يدخلن في جمع الذكور.
ودليل آخر- أن الجمع تضعيف الواحد، ولو قال "قام" يتناول الذكر خاصة دون الأنثى. فكذلك لفظ الجمع، لنها لا تقتضي إلا تضعيف فائدته. وقد استدل في ذلك بأن النساء شكون إلى رسول الله ﷺ وقلن: "لا نجد الله ﷾ يخاطنا في كتابه" فنزل قوله تعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ﴾،
[ ١٨٩ ]
ولو كان خطاب الذكور يتناولهن، لم يكن لشكايتهن معنى. إلا أن لقائل أن يقول: إن شكايتهن لأنهن لم يفردن بخطاب، تشريفًا لهن، لأن ذلك لا يحصل بدخولهن تحت خطاب الرجال تبعًا.
وأما المخالف- فقد احتج في ذلك بأن خطابات الشرع تتناولهن، بدليل وجوب الشرائع عليهن، مع أنهن لم يفردن بالذكر. فلو لم يتناولهن خاطب الذكور لما وجب عليهن كذلك.
والجواب: أنهن أفردن ببعض خطاب الشرع نحو قوله تعالى: ﴿وأَقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ﴾ و﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي﴾، وقوله تعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ﴾، وفيما لم يفردن ثبت الحكم ي حقهن بخطاب الذكور بقرائن اقترنت بها لا بحكم الوضع.
وشبهة أخرى: إن العرب قالوا: إذا اجتمع التذكير والتأنيث غلب التذكير على التأنيث، وهذا يقتضي أنهما إذا اجتمعا كان الاسم الموضوع لهما لفظة التذكير.
والجواب: إن المراد به: أنهما إذا اجتمعا وأراد المتكلم أن يعبر عنهما، يجب أن يعبر بلفظة التذكير دون التأنيث.
[ ١٩٠ ]