حكى عن الشيخ أبي الحسن الكرخي ﵀ أن الكافر داخل تحت الخطابات الشاملة للعبادات والشرعيات- وهو مذهب جماعة من الفقهاء وبعض المتكلمين. وقيل: هو مذهب الشافعي ﵀.
وذهب بعض الفقهاء وبعض المتكلمين إلى انه غير داخل فيه. وقيل: وهو مذهب أصحابنا.
ولم ينقل في هذه المسألة نص عن أصحابنا المتقدمين ﵏، إلا أن مشايخنا المتأخرين ﵏ خرجوها بناء على تفريعاتهم: فإن محمدًا ﵀
[ ١٩٢ ]
قال في كتاب المناسك: إن الكافر إذا دخل مكة ثم أسلم فأحرم وحج لا يلزمه دم ترك الوقت، لأن ذلك ليس عليه. وقال في كتاب الصوم: إن الكافر إذا كان له عبد مسلم فمرَّ عليه. وقال في كتاب الصوم: إن الكافر إذا كان له عبد مسلم فمرَّ عليه يوم الفطر لا يلزمه صدقة فطره، قال: لأن ذلك ليس عليه. وقال في كتاب النكاح: إن المسلم إذا كان تحته امرأة نصرانية عادتها في الحيض دون العشرة فانقطع الدم على عادتها، يحل له وطؤها قبل الاغتسال وقبل أن يمضي عليها وقت الصلاة، بخلاف المسلمة، قال: لأن ذلك ليس عليها- وهذا يدل على أن مذهبهم ما ذكرنا.
[ ١٩٣ ]
وثمرة الخلاف هي العقاب على تركها فقط، فإن الأمة أجمعت على أن الكافر إذا أتى بهذه العبادات لا يثاب عليها، ولو لم يأت بها حتى أسلم، لا يجب عليه القضاء.
دليلنا في ذلك- أن الكافر لو كُلِّف أداء هذه العبادات: إما أن يكلف أداءها مضافًا للكفر، أو بواسطة ترك الكفر والإتيان بالإسلام، على مثال الجنب: يكلف أداء الصلاة بواسطة الغسل:
لا وجه الأول- لأنه لا يتصور أداؤها مضافًا للكفر، ولو أدى صورها لا يُقبل منه.
ولا وجه إلى الثاني- لوجهين:
أحدهما- أنهي صير الإسلام شرطًا لأداء العبادة، وشرط الشيء تبع له كالوضوء للصلاة، ولا يجوز أن يكون الإسلام تبعًا لغيره في الوجوب والفرض. إلا أن هذا الوجه غير صحيح، غذ ليس من ضرورة كون الشيء شرطًا لوجوب شيء أن يكون تبعًا له- ألا ترى أن الإيمان بالله تعالى والإقرار بوحدانيته شرط لأداء الإيمان بالرسل وتصديقهم، ولا يتصور الإيمان بالرسل وتصديقهم إلا بعد الإيمان بالله تعالى، وليس لأحد أن يقول: إن الإيمان بالله تبع الإيمان بالرسل، فكذا هذا.
والوجه الثاني- وهو الصحيح، أن وجوب هذه العبادات لا تبقى بعد الإسلام بل تسقط، فإن منع، نستدل بالكتاب والسنة والإجماع:
[ ١٩٤ ]
أما الكتاب- فقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾. وأما السنة- فقوله ﵇: "الإسلام يجبٌّ ما قبله" أي يقطع ويسقط. وأما الإجماع- فلأن الأمة أجمعت على ترك الأمر للكافر الذي أسلم بقضاء العبادات الفائتة حال الكفر، وإذا سقط الواجب بالإسلام، كيف يكون الإسلام شرطًا لأدائه- هذا معنى قول مشايخنا: يستحيل أن يكلف الإنسان يفعل لو أتى به لا يقبل منه، وإذا صار بحال لا يقبل يسقط عنه ولا يكلف، وبهذا فارق تكليف الجنب بالصلاة: فإنه يكلف أداء الصلاة بواسطة الغسل، وإذا اغتسل تصح منه الصلاة ولا تسقط عنه.
فإن قيل: أثر هذا الوجوب ليس في استحقاق الثواب على الفعل ليشترط إمكان أداء الفعل، بل أثره في استحقاق العقاب على من له الترك، والترك ممكن بأن لا يسلم ولا يأتي بهذه العبادات- قلنا:
[أولًا]- التكليف والإيجاب طلب تحصيل الفعل، ولا يجوز طلب تحصيل الفعل لغرض يرجع إلى ان لاي فعل ولا يتحقق في فعله غرض، بل لا يتصور ذلك.
والثاني- إن استحقاق العقاب على الترك أو على أن لا يأتي بالفعل، إنما يصح إذا كان يمكنه أن يأتي به وأن يترك، حتى يكون الأمر الذي يتعلق به استحقاق اللوم والعقاب متعلقًا باختياره، فإذا كان بحال لا يتمكن من الفعل أصلًا، لأن كون الترك وعدم الفعل باختياره، فكيف يعاقب ويلام عليه؟
وقد استدل في المسألة بحديث معاذ ﵁: أن النبي ﵇ لمَّا بعثه إلى اليمن فقال له: "إذا أتيتهم فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله،
[ ١٩٥ ]
فإن أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة"- علق فرضية الصلاة بالإسلام، والمعلق بالشرط عَدَمٌ قبل وجود الشرط، لما مر في الأبواب المتقدمة. إلا أن لقائل أني قول: الحديث لا يقتضي تعليق فرضية الصلاة بالإسلام، بل تعلق الأمر بالإعلام بفرضية الصلاة، ويجوز أن تكون الصلاة فرضًا في حقهم ولا يجب على الرسول ولا على رسوله الإعلام به قبل الإسلام، لعدم الفائدة في ذلك.
وقد استدل في المسألة بقوله ﵇: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله": أنهى إباحة القتال إلى وجود الإيمان، ولم يذكر الشرائع، ولو كان التكليف بها ثابتًا في حقهم لوجب عليهم قبولها، كما يجب قبول الإيمان، ودخل في كونه غاية للقتال. إلا أن لقائل أن يقول: إباحة القتال ليس حكم فرضية الإيمان، بل هو حكم الأمر للنبي ﵇ بإظهاره والدعاء إليه بأبلغ الوجوه. فأما الشرائع، وإن كانت فرضًا عليهم، فالنبي ﵇ غير مأمور بإظهارها والدعاء إليها قبل الإيمان، فإنما لم يدخل في كونه غاية للقتال لهذا.
وقد استدل في المسألة بامتناع القضاء: فإنا أجمعنا على أنه لو ترك العبادات لا يكلف بالقضاء، ولو كان فرضًا لكلف بالقضاء. إلا أن لقائل أن يقول: القضاء يجب بأمر جديد، لما عرف، فعدم ورود الأمر بالقضاء بأمر جديد لا يدل على عدم الفرضية بالدليل السابق.
وقد استدل في المسألة بأن التكليف بالفعل إنما يصح إذا كان للمكلف سبيل إلى العلم بكونه مكلفًا، [إذ] لولا ذلك لكان تكليف ما ليس في الوسع، والكافر مع إصراره على الكفر واعتقاده له، لا سبيل له إلى العلم بالتكليف
[ ١٩٦ ]
بالشرائع، فلا يكون مكلفًا بها. إلا أن لقائل أن يقول: هذا باطل، بوجوب الإيمان بالرسل وتصديقهم، فإنه لا يتصور العلم به مع إنكار الصانع والإصرار عليه، وكل كافر يكلف بالإيمان بالله، وبتصديق رسله قبل الإيمان بالله- فإن قال بأن ثمة طريق العلم قائم بأن ينظر في الدليل فيعرف الله تعالى ويعرف صدق رسله والتكليف بالإيمان بهم- فنقول له: طريق العلم ههنا قائم وهو تقديم الإسلام والنظر في الدلائل.
وأما المخالف فقد احتج في المسألة بأشياء:
منها- أن النصوص الشاملة للعبادات، عامة في حق المسلم والكافر جميعًا، نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، وقوله تعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾، ولفظة الناس تتناول المسلم والكافر جميعًا.
والجواب: أما النص [الأول]- قلنا: هو عام في حق الأشخاص، أما ليس [بـ] عام في حق الأفعال، فإن قوله: ﴿اعْبُدُوا﴾ لا يتناول كل العبادات، بل يتناول ما يسمى عبادة. ونحن نقول بوجوب رأس العبادات على الكافر وهو الإيمان بالله تعالى، وحملناه عليه بدليل ما ذكرنا.
وأما النص الثاني فهو مشروط بالاستطاعة بقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ والكافر غير مستطيع على ما مر.
[ ١٩٧ ]
ومنها- أن أثر الوجوب استحقاق العقاب على الترك، وهو ثابت:
- بقوله تعالى: ﴿ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾: بين أن دخول النار بسبب ترك الصلاة والزكاة. ثم هذا، إن كان إخبارًا عن قول الكفار، وقولهم ليس بحجة، لكن الله تعالى ذكره ولم يعقبه بالإنكار، والحكيم إذا حكى خبرًا عن غيره ولم يعقبه بالإنكار كان تقريرًا لذلك منه.
- وبقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾، وهذا ذمُّ على ترك الصلاة.
والجواب:
- أما النص الأول-فالجواب عن الاستدلال به من وجوه:
أحدها أن المراد من قوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ أي من جملة من يصلي، وهم المؤمنون: حملناه على هذا بدليل ما ذكرنا.
والثاني- يحتمل أن المراد منه المرتدون الذين أضاعوا الصلاة والزكاة حالة الإسلام ثم ارتدوا وماتوا- حملناه عليه بما ذكرنا.
والثالث- أن هذا إخبار عن قول الكفار، وقولهم ليس بحجة.
- قوله: بأنه لم يعقبه بالإنكار- قلنا: لا نسلم، بل عقبه بالإنكار عليهم على لسان نبيه إن لم يذكره في القرآن، فإنه روى في المشاهير: (أنهم إذا قالوا:
-
[ ١٩٨ ]
لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، قال لهم خزنة جهنم: كذبتم، فإن من الإنسان من لم يصل وليس معكم هنا، فقالوا: لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، قال لهم الخزنة: كذبتم، فإن من الإنسان من لم يؤد الزكاة وليس معكم هنا، فقالوا: وكنا نخوض مع الخاضئين، وكنا نكذب بيوم الدين، فقالت الخزنة: صدقتم) - وإذا قوبل بالتكذيب لا يبقى حجة.
- وأما النص الثاني- فالمراد منه قبول الزكاة بالإسلام، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي يقبلوا- حملناه عليه بدليل ما ذكرنا.
ومنها- استدلالهم بالخطاب بالحدود والعقوبات، فإنها متناولة لهم، وكذلك بالمبادات.
والجواب:
ما المعنى بقولك: "إن الكافر مخاطب بالحدود؟ " [هل] عنيت به أنه يجب عليه التمكين من اللإقامة؟ أو عنيت به أنه إذا زنى أو شرب فالإمام يقيم عليه الحد جبرًا؟:
إن عني الأول- قلنا: في ذلك وجهان: أحدهما- أنه لا يجب عليه ذلك، وهو غير مكلف بشيء، أما الإمام [ف] مكلف بأن يقيم عليه ذلك جبرًا، بقوله تعالي: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ﴿هذا خطاب الأئمة دون الزاني والسارق.
[ ١٩٩ ]
والثاني- أنه وجب عليه ذلك بحكم قبول الأمان وعقد الذمة، لا بخطاب الشرع ابتداء.
إن عنيت به الثاني- فهذا لا يكون خطابًا للكافر بشيء، والكلام فيه.
فإن قيل: إنما يجب على الإمام إقامة الحد على الزاني والسارق إذا وقع ذلك منه حرامًا وقبيحًا، وذلك بمقتضى توجه الخطاب إليه- قلنا: بعض هذه الأفعال مما هو قبيح عقلًا، كالسرقة والغضب والظلم ونحوها. وبعضها يعرف قبحها بتحريم الشرع، وخطاب التحريم متناول للكافر لأنه يمكنه الامتثال، لأن التحريم والنهي طلب الانتهاء، والكافر يمكنه الانتهاء عن القبيح مضافًا للكفر، وبعد الإسلام، بأن لا يزني ولا يسرق، أما الإتيان بالعبادة فهو غير ممكن له، لا مضافًا للكفر ولا بعد الإسلام لما مر.
[ ٢٠٠ ]
٧