اعلم أن هنا ألفاظًا لابد من معرفة معانيها، وذلك قولنا "خاص"، و"مخصوص به"، ووصفا المتكلم بكونه "مُخَصِّصّا"- فنبين معاني هذه الألفاظ، ونبين الفرق بين التخصيص والنسخ.
- أما وصفنا الخطاب بأنه "خاص"- فيفيد أنه متناول لشيء واحد كقولنا: "بغداد" و"كوفه" ونحو ذلك.
- و"الخصوص"- عبارة عن كون الخطاب متناولًا لشيء واحد.
- وأما وصفنا الخطاب بأنه "مخصوص"- فمعناه أن المراد به بعض فوائده، وإنما كان مقصورًا على بعض فوائده إذا أريد بعض فوائده.
- وأما وصفنا المتكلم بأنه "مخصص"- فإنه يُستعمل بطريق الحقيقة، والمجاز. فمعناه بطريق الحقيقة أن يجعل الخطاب خاصًا، وإنما يكون كذلك إذا أريد به بعض فوائده. ومعناه بطريق المجاز هو أن يدل على التخصيص أو اعتقد تخصيصه.
- وأما الفرق بين التخصيص والنسخ- فهو أن: التخصيص إخراج بعض ما تناوله اللفظ فعلًا أو فاعلًا أو زمانًا، بدليل مقارن. والنسخ إخراج بعض
[ ٢٠١ ]
ما تناوله أو كل ما تناوله بدليل متراخٍ. مثاله أن يقول: "صلوا كل يوم صلوات"- فهذا عام في الفاعلين والفعل والزمان، فإذا قال متصلًا به: "إلا زيدا لا يفعل" أو "لا تصلوا في الجمعة الفلاني" أو "لا تصلوا الصلاة السادسة"، مقارنًا للخطاب، كان تخصيصًا. وإذا قال ذلك متراخيًا عنه، كان نسخّا.
إذا عرفنا هذه الجملة، [ف] لابد من: بيان ما يجوز تخصيصه، وما لا يجوز- فنقول:
الخطاب نوعان: أحدهما ليس فيه معنى الشمول، والآخر فيه معنى الشمول.
- فالأول- لا يجوز تخصيصه، بل لا يتصور تخصيصه، لأن التخصيص إخراج جزء ما تناوله اللفظ، فمتى لم يكن له جزء لا يتصور تخصيصه.
- والثاني- على ضربين: أحدهما- أن يكون اللفظ عامًا في نفسه، كالمشركين وغيره. والثاني- أن يكون اللفظ خاصًّا في عين وقضيته عامة، بأن دل الدليل على تعدي حكمه إلى غيره.
• فالأول- يجوز تخصيصه، لأنه متى تناول أشياء [فإنه] يمكن إخراج جزء منه.
• والثاني على ضربين:
أحدهما- أن يكون عموم حكمه بفحوى القول، ويفيد الحكم في غيره بطريق الأولى، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾.
والثاني- أن يكون حكمه معلولّا بعلة تتعدى.
[ ٢٠٢ ]
فالأول- لا يجوز تخصيصه مع بقاء الأصل، لأنه لو خص الضرب من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ وأبيح مع حظر التأفيف، لكان ما أبيح شارك المحظور في علة الحظر وزاد عليه، فيؤدي إلى التناقض.
والثاني- هو تخصيص العلة الشرعية، واختلف فيه أهل الأصول-[ف] نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.