قال بعض أهل الأصول: إنه يجوز تخصيص كلمة " من" إلى الواحد، ولا يجوز ذلك في ألفاظ الجمع العامة، كقولنا: " الرجال" و"النساء" ونهاية التخصيص فيها إلى الثلاث.
وقال بعضهم: يجوز تخصيص جميع الألفاظ العامة مع اختلافها إلى أن يبقى تحتها واحد.
والصحيح من المذهب أن نقول:
- إن عنى بهذا الجواز صحة الكلام، في مخرجه على موجب اللغة، فهو ثابت إلى الواحد، لأنه يجوز أن يراد باللفظ الموضوع للكل بعضه، وليس بعض بأولى من بعض.
- وإن عني به الحُسن في الاستعمال عرفّا، فيمنع من ذلك في جميع الألفاظ العامة ويوجب أن يراد بها الأكثر، وإن كان لا يقدر ذلك بتقدير.
والدليل عليه أن قائلّا لو قال: "أكلت جميع ما في الدار من الرمان" وفيها
[ ٢٠٣ ]
ألف رمانة وكان قد أكل رمانة أو رمانتين أو ثلاثة، عابة أهل اللغة ولاموه على ذلك، وإنما يزول اللوم عنه أن لو أكل جمعية أو أكثره وإن كان لا يحد. وكذلك إذا قال: "أكلت الرمان الذي في الدار" أو قال: "أكلت الرمان"- إلا أن يريد به الجنس كما يقال: "أكل المريض اللحم" وإن كان قد أكل منه شيئًا يسيرّا، لكن المراد منه أنه شرع في أكل اللحم. وكذلك إذا قال: "من عندك؟ " أو قال: "من دخل داري ضربته" ثم يقول: "عنيت به زيداّ"- عابه أهل اللغة على ذلك.
قيل: لو امتنع استعمال لفظ العموم في الواحد، لكان إنما يمتنع لأنه استعمل في غير ما وضع له. وهذا إن كان يمنع من استعماله في الواحد [فإنه] يمنع من استعماله في الكثير- قلنا: ليس المانع من جواز ذلك ما ذكرتم، بل المانع أن أهل اللغة لم يستعملوا لفظ العموم في الواحد.
وأما المخالف- فقد احتج في المسألة بالاستعمال- قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، ومنزل الذكر هو الله تعالى، وإنه واحد لا شريك له. وقال الشاعر: "إنا وما أُعني سواي ناسا". وروى عن عمر ﵁ أنه أنفذ إلى سعد بن أبي وقاص بقعقاع مع ألف فارس ثم كتب
[ ٢٠٤ ]
إليه فقال: " أنفذت إليك ألفى فارس": سمي قعقاع ألف فارس- فإذا جاز ذلك في ألفاظ العدد، جاز ذلك في الألفاظ العامة.
والجواب- أن ذلك خرج مخرج التعظيم، ولإبانة أن الواحد يقوم مقام الجماعة، ونحن نجوز ذلك، ولا كلام فه، إنما الكلام في استعمال لفظ العموم في الواحد على هذا الوجه- والله أعلم.