اعلم أنه يجوز أن يكون اللفظ الواحد موضوعًا للشيئين على سبيل الاشتراك، كما يجوز أن يكون موضوعًا للشيء الواحد على سبيل الانفراد- وهذا عند أكثر الناس.
وذهبت طائفة إلى منع جواز ذلك.
واستدلوا في ذلك بأن قالوا: إن الأسامي وضعت أعلامًا على المسميات وعلى المعاني ليمتاز البعض بها عن البعض، فيقع بها الإفهام. ولو كان اللفظ الواحد
[ ١٧ ]
موضوعًا للشيئين على سبيل الاشتراك لا يقع الإفهام بواحد منهما، وفيه نقض الغرض بالمواضعة.
لكنا نستدل على جواز ذلك، فنقول:
إن الإفهام على سبيل الإجمال قد يكون مقصود العقلاء، كما أن الإفهام على سبيل التفصيل مقصود العقلاء، فإن واحدًا منا قد يشاهد سوادًا فيريد أن يخبر غيره عمَّا شاهده على سبيل التفصيل، فيقول: "شاهدت سوادًا". وقد يريد أن يخبره على سبيل الإجمال فيقول: "شاهدت لونًا". ومتى جاز تعلق الغرض بكل واحد من الإهامين، جاز أن يضعوا اسمًا يطابق كل واحد من الإفهامين، ليكون كل واحد منهما وصلة إلى الغرض المطلوب منه. وفي هذا جواب عمَّا قالوه. وهذا دليل الجواز. والدليل على ثبوت ذلك -أن أهل اللغة قالوا في كتبهم: إن قولنا "شفق" من أسماء الأضداد وهو مشترك بين البياض والحمرة، وكذا اسم "القرء" من أسماء الأضداد، وهو مشترك بين الحيض والطهر- فدل [ـت] أقوالهم على ثبوت الأسماء المشتركة.
فإن قيل: ما أنكرتم أن "القرء" في الأصل موضوع لفائدة مخصوصة، ثم يقع ذلك في الحيض والطهر، لوجود تلك الفائدة. فإذن الاسم من الأسماء المشتقة لا من الأسماء المشتركة- قلنا: إنما يصار إلى هذا التكلف إذا لم يجز أن يكون اللفظ الواحد موضوعًا للشيئين على سبيل الاشتراك- أما إذا جاز ذلك، ونقل عن أهل اللغة أن هذه الأسامي مشتركة، [فـ] لا يصار إلى هذا التكلف، وقد دللنا على جواز ذلك، فلا يُصار إلى ما قلتم، لأنه قول لا دليل عليه.
[ ١٨ ]
فيثبت بما ذكرنا جواز الأسماء المشتركة، وورود اللغة بها.
إلا أنه مع هذا خلاف الأصل، أعني أنه على خلاف قضية الدليل المقتضي لوضع الكلام.
وبيانه -أن الغرض من وضع الكلام والأسامي إفهام ما وضع له. هذا معلوم بالضرورة. فالاسم إذا كان مشتركًا بين شيئين: إما أن يكون موضوعًا لكل واحد منهما على التعيين والانفراد، أو يكون موضوعًا لأحدهما غير عين، أو يكون موضوعًا لأحدهما عينًا دون الآخر، أو يكون موضوعًا لهما على الجمع فكانا جميعًا مسمى واحدًا لهذا الاسم: لا وجه إلى الثاني لأنه لا قائل به، فإن أحدًا لم يقل بأن المطلقة مأمورة بالاعتداد بالحيض أو الطهر غير عين، ولأنه لو كان كذلك لكان، إذا أرايد به أحدهما عينًا، مجازًا فيه، وليس كذلك. ولا وجه إلى الثالث، لأنه لا قائل به أيضًا، ولأنه لو كان كذلك لكان يفهم عند إطلاقه أحدهما عينًا، ولما جاز استعماله في كل واحد منهما في حالين إلا بطريق المجاز، والأمر بخلافه. ولا وجه إلى الرابع، لأنه لا قائل به أيضًا: فإن أحدًا لم يقل إن المطلقة مأمورة بالاعتداد بهما على الجمع، ولأنه لو كان كذلك لكان يسبق إلى الفهم عند إطلاقه كلاهما، ولما جاز استعماله في أحدهما إلا على طريق المجاز، والأمر بخلافه. وإذا بطلت هذه الأقسام ثبت أنه موضوع لكل واحد منهما على التعيين والانفراد. فقضية الوضع أن يفيد إفهام ما وضع له، وأنه لا يفيد إفهام أحدهما إلا بقرينة، وكان مخالفًا لقضية الأصل.