اعلم أن النصين إذا ما وردا وهما كالمتنافيين: أحدهما عام، والآخر خاص-[ف] لا يخلو: إما أن يُعرف التاريخ بينهما، أو لا يُعرف.
(أ) فإن عرف التاريخ بينهما- فلا يخلوا: إما أن يُعرف اقترانهما؛ أو عُرف تراخي أحدهما عن الآخر.
[ ٢٣٠ ]
أما الخاص أو العام: إذا عُلم اقتران أحدهما بالآخر، فنحو أن يقول النبي ﷺ: "اقتلوا الكفار- لا تقتلوا اليهود" أو يقول: "في الخيل زكاة- ليس في الذكور من الخيل زكاة".
والأصل في ذلك أن نجعل الخاص مخصصاّ للعام ومبينا أن المراد به ما لم يتناوله الخاص، لأن الخاص أشد تصريحا مما يتناوله وأقل احتمالا من العام، فكان العمل به أولى، ولأن في إجراء العام على عمومه إلغاء الخاص، وليس في العمل بالخاص إلغاء واحد منهما، فكان أولى.
فإن قيل: هلا حملتم قوله ﵇ "في الخيل زكاة" على التطوع، وحملتم قوله: "ليس في الذكور من الخيل زكاة" على نفي الوجوب، ليكون عملًا بهما جميعا.
قلنا: قوله: "في الخيل زكاة" يقتضي وجوب الزكاة في الإناث، ولو حملناه على التطوع كنا قد عدلنا باللفظ عن ظاهره بدليل لا يتناول الإناث، والعدول عن ظاهر اللفظ بلا دليل لا يجوز، بخلاف التخصيص. وأما إذا أخرجنا الذكور من الخيل عن قوله: "في الخيل زكاة"، كنا قد أخرجنا عن اللفظ شيئا بدليل يقتضيه، وذلك جائز.
هذا إذا عُلم اقتران أحدهما بالآخر.
أما إذا علم تراخي أحدهما عن الآخر:
- فإن كان الخاص هو المتأخر- فإنه لا يخلو: إما إن ورد قبل حضور وقت العمل بالعام، أو بعده.
فإن ورد قبل حضور وقت العمل بالعام: [فـ] يجعل بيانا للتخصيص في قول من أجاز تأخير البيان عن وقت ورود الخطاب. وفي قول من لم يجوز ذلك: يجعل بيانا للنسخ.
[ ٢٣١ ]
وإن كان بعده: [فـ] يجعل بيانًا للنسخ، لأن تأخير بيان التخصيص عن وقت الحاجة لا يجوز، فيجعل بيانًا للنسخ.
- وإن كان العام هو المتأخر:
قال أصحابنا وجماعة من المتكلمين: يصير العام ناسخا للخاص.
وقال أصحاب الشافعي: يبنى العام على الخاص، ويجعل المراد بالعام ما لم يتناوله الخاص، كما لو اقترن أحدهما بالآخر.
دليلنا في ذلك- أن العام في تناوله لآحاد ما دخل تحته، جرى مجرى خبر خاص يختصه- ألا ترى أنه يصح التمسك به لإثبات الحكم، كما يصح التمسك بالخاص، فجرى العام مع الخاص، في حق تناوله الخاص، مجرى الخبرين الخاصين وردا، وهما متنافيان: أحدهما متقدم، والآخر متأخر: [فـ] يصير المتقدم منسوخا بالمتأخر- كذا هذا.
والمخالف- احتج بوجهين من الكلام:
أحدهما- أن الخبر الخاص، وهو قوله "لا تقتلوا اليهود" يقتضي المنع من القتل في عموم الأحوال، وقوله"اقتلوا الكفار" يقتضي الإباحة في حالة واحدة، والنهي يمنع من الإباحة في تلك الحالة، فوقع التعارض، والخاص أخص باليهود من العام وأقل احتمالًا منه، وكان العمل به أولى، بخلاف الخبرين الخاصين، لأن الخاص لا يمكن تخصيصه، لأنه لا يتناول إلا شيئا واحدًا، والعام يمكن تخصيصه، لأنه يتناول أشياء، فيمكن إخراج جزء منه.
والثاني- أن الخاص مما يعلم دخول ما تناوله قطعا، ودخول ما تناوله الخاص تحت العام مشكوك فيه [إذ] يحتمل أن المراد به وراء ما تناوله الخاص، والعمل لا يترك بالشك.
[ ٢٣٢ ]
والجواب:
أما الأول- قلنا: العام وإن أمكن تخصيصه، لكن في تخصيصه إلغاء له، فيما تناوله الخاص، أصلا، لأنه بقى مستعملا حال وروده، وإن كان لا يبقى في المستقبل، فكان المصير إلى النسخ أولى، بخلاف ما إذا اقترنا، لأنه لا يمكن العمل بهما، والخاص أشد تصريحا، فالعمل به أولى.
وأما الثاني- قلنا: إن عنيت به أن العام لو انفرد لا يعلم دخول ما تناوله الخاص تحته، فهذا خلاف الإجماع. وإن عنيت به أنه لا يعلم دخول ما تناوله الخاص تحت العام لأجل الخاص، فلم قلتم ذلك وهو موضع النزاع؟ ثم هذا ترك لمذهبكم فإنكم تقطعون بخروج ما تناوله الخاص عن العام، ولا تشكون فيه.
هذا الذي ذكرنا إذا عرف التاريخ بينهما.
(ب) أما إذا لم يعرف التاريخ بينهما:
ففي مذهب الشافعي- يبنى الخاص على العام، ويجعل المراد بالعام غير ما تناوله الخاص. وهذا مستقيم على أصله، لأنه ليس للخاص مع العام حالة إلا أن تقارنه أو تتقدمه أو تتراخى عنه، وقد بان من مذهبه وجوب خروج ما تناوله الخاص عن العام في الوجوه الثلاثة.
وفي مذهب أصحابنا- يجب القول بالتوقف، والرجوع إلى غيرهما، وإلى ما يرجح أحدهما عن الآخر.
وهذا مستقيم على أصلنا، لأن المذهب عندنا أن العام المتأخر ينسخ الخاص، ويخص بالخاص المقارن والمتأخر. ويجوز أن يكون العام متأخرًا فينسخ الخاص،
[ ٢٣٣ ]
ويجوز أن يكون الخاص متأخرا فيوجب خروج ما تناوله عن العام، وليس أحدهما أولى من الآخر، فيجب القول بالتوقف.
واحتج المخالف بأشياء:
منها- أن الفقهاء في أعصارنا يخصون أعم الخبرين أخصهما، مع فقد عملهم بالتاريخ.
ومنها- أنه لما اشتبه حال الخبرين ولا يُعرف التاريخ بينهما، يجعل كأنهما وردا معا، كالغريقين إذا لم يُعرف التاريخ في غرقهما يجعل كأنهما غرقا معا حتى لا يرث أحدهما عن الآخر- فكذا هذا. وإذا جعل كأنهما وردا معا، يجعل الخاص مخصصا للعام، لما ذكرنا.
ومنها- أن القياس مما يجوز أن يعترض به على العام، فالخبر الخاص أولى، لأنه أصل القياس.
ومنها- أنه لو لم يخص العام بالخاص لوقع أحد أمرين: إما نسخ الخاص أو إلغاؤهما، ولا يجوز النسخ مع فقد التاريخ، وإلغاء كلام الحكيم لا يجوز، فوجب تخصيص العام بالخاص.
والجواب:
أما الأول- قلنا: هذا على الإطلاق ممنوع- ألا ترى أن عمر ﵁ لم يخص قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ بحديث ابن الزبير وهو قوله: "لا تحرم الرضعة والرضعتان"
[ ٢٣٤ ]
وأما الثاني- فنقول ما أجمعت على هذا، فإن من الصحابة ما ورث أحدهما عن الآخر. على أن حكم الغريقين حجة عليه، لأنه لما اشتبه حالهما لم نحكم بإرث أحدهما عن الآخر، فكذا إذا اشتبه حال الخبرين: لا يعترض بأحدهما على الآخر.
وأما الثالث- قلنا: إن كان القياس على أصل متقدم على العام، كان العام منافيًا له، فلا يجوز تخصيص العام به، نحو أن يقول النبي ﵇: "لا تبيعوا البُرَّ" ثم يقول: "أحللت لكم بيع جميع الأشياء": لا يجوز تخصيص العام بد ذلك القياس، حتى يقاس الأرز على الحنطة، لأنه قياس على أصل غير متقرر.
أما إذا كان القياس على أصل متقرر، نحو أن يقول النبي ﵇: "لا تبيعوا البر" ثم يقول: "أحللت لكم بيع ما سوى البر" جاز قياس الأرز على البر، وتخصيص العام به. وهذا لا يشبه مسألتنا، لأن أصل القياس مقرر، فأما هنا [فـ] الخبر الخاص يحتمل أن يكون منسوخا بالعام، ومع احتمال النسخ لا يجوز التخصيص به.
وأما الرابع- قلنا: كما أن النسخ محتاج إلى التاريخ، فكذلك التخصيص يحتاج إلى التاريخ، لأن تخصيص العام بالخاص المتقدم لا يجوز، لما مر.
وأما قوله: لا يجوز إلغاؤهما- قلنا: إن عنيت به ترك استعمالهما في أنفسهما والرجوع إلى غيرهما، أو إلى ما يرجح أحدهما- فلا نأبى ذلك، وإنما لا يجوز
[ ٢٣٥ ]
ذلك إذا أمكن العمل بهما، وهنا لا يمكن العمل بهما، لأنه ليس حمل الحال فيهما على التخصيص أولى من حملة على النسخ، فيجب القول بالتوقف.
ثم إذا وجب التوقف والرجوع إلى ما يرجح أحدهما على الآخر، فقد ذكروا وجوه الترجيح:
ومنها- أن يكون أحدهما متفقا على استعماله، والآخر مختلفا فيه، كخبر العشر مع خبر الأوساق.
ومنها- أن يعمل به معظم الأمة، ويعيب على من ترك العمل به، كعيبهم على ابن عباس ﵁ على ترك العمل بحديث أبي سعيد الخدري ﵁، ومنعه جريان الربا إلا في النسيئة.
ومنها- أن تكون الرواية في أحدهما أشهر.
[ ٢٣٦ ]
ومنها- أن يكون أحدهما متضمنا للحكم الشرعي، وأن يكون أحدهما بيانا للآخر، كقوله ﵇"لا قطع [إلا] في ثمن المِجَنَّ- اتفقوا على كونه بيانا لآية السرقة"
إلا أنا نقول: هذه الوجوه كلها تدل على تأخر أحدهما عن الآخر، لأنه لو كان متقدما لما اتفقوا على استعماله، لأنه يصير منسوخا بالعام، ولكان لا يعاب على من ترك العمل به، ولما كانت الرواية له أشهر، وكونه متضمنا لحكم شرعي يقتضي كونه متأخرا، لأن حكم العقل مقدم على حكم الشرع، وكذا لولا التقدم لما كان أحدهما بيانا للآخر- والله أعلم.