اختلف الناس في ذلك.
قال بعضهم: لا يصير مجازًا، متصلًا كان أو منفصلًا، لفظًا ومعنى.
[و] قال بعضهم: يصير مجازا في الأحوال كلها.
وقال بعضهم: يصير مجازا في حال دون حال. واختلفوا في تفصيله:
[ ٢٣٧ ]
منهم من قال: إن كان المخصص لفظًا، لا يصير مجازًا، متصلًا كان المخصص أو منفصلًا.
ومنهم من قال: لا يصير مجازًا إلا إذا كان متصلًا.
والصحيح المختار أن القرينة المخصصة: إن كانت مستقلة به، نحو دلالة العقل وقول المتكلم "أردت به البعض الفلاني"، يصير مجازًا. وإن لم يستقل، لا يصير مجازًا.
والدليل على ذلك أن القرينة إذا كانت مستقلة، كان لفظ العموم مستعملًا وفي غير ما وضع له، لأن اللفظ موضوع للكل، وقد استعمل في البعض، وهذا هو المجاز.
فإن قيل: المتكلم ما أراد البعض باللفظ وحده، بل باللفظ مع القرينة، فلم يكن استعمال اللفظ في غير ما وضع له.
ولئن قلنا إنه [ما] أراد باللفظ وحده، ولكن لم لا يجوز أن يكون اللفظ مع القرينة موضوعًا للبعض، ومع فقد القرينة موضوعًا للكل؟ - قلنا:
أما الأول- فباطل، لأن فيه رفع المجاز عن الكلام، بأن يقال في كل مجاز: إنه ما أراد باللفظ وحده بل باللفظ مع قرينة، وقد أبطلنا هذا فيما تقدم. ويلزم أن يكون الكلام المستقل الذي اقترنت به القرينة المستقلة، لا حقيقة ولا مجازًا، لأنه ما عنى به ما وضع له ولا غير ما وضع له، والكلام المستقل لا يخلو: إما أن يكون حقيقة أو مجازًا. ويلزم أيضًا أن تكون المعاني من الحقائق، لأن القرينة قد تكون شاهد حال وغيره، مما لا يجوز وصفه بالحقيقة والمجاز. ولأن القرينة قد تكون فعل غير المتكلم، نحو أن يتكلم النبي ﵇ بلفظه العام
[ ٢٣٨ ]
فيخصه الله تعالى، فلا يستقيم أن يقال: إن النبي ﵇ أراد ما أراد باللفظ وبما يحدث بإحداث الله تعالى.
وأما الثاني- فباطل أيضًا، لأن القرائن كثيرة لا يمكن حصرها، ليضعوا [مع] لفظه العموم القرينة، لما تقتضيه القرينة. ولأن هذا شيء لم يشهد به أهل اللغة [إذ] لم يُنقل عن واحد منهم هذا النوع من الوضع، والحقيقة لا تثبت إلا بالنقل.
هذا إذا كانت القرينة مستقلة.
أما إذا لم تكن القرينة مستقلة، نحو الشرط والصفة والاستثناء، [فـ] لا يصير مجازًا، لأن هذه الأمور إذا اقترنت بالكلام تصير من جملة الكلام، وصار الكل كلامًا واحدًا، فلا يكون البعض بانفراده لا حقيقة ولا مجازًا، بل هذه الجملة المركبة حقيقة في الثاني. والدلالة عليه أن قول القائل: "اضرب الناس الطوال" أو "إن كانوا طوالًا" أو "إلا من قام منهم" لا يخلو: إما إن أُريد البعض باللفظ وحده، أو بمجموع الأمرين: لا وجه إلى الأول، لأنه لو أريد باللفظ وحده، لم يكن أريد بهذه الأمور شيئًا، لأن هذه الأمور ما وضعت لشيء مستقل في دلالتها على ذلك، فيقال: أراد [ذلك الشيء] باللفظ وحده، وأراد بهذه الأمور ما يقتضيه هذه الأمور، ولأنه لما أراد البعض باللفظ وحده، لم يبق شيء أراد [هـ] بهذه الأمور.
[ ٢٣٩ ]
فإن قيل: أراد البعض باللفظ وحده، لكن عند هذه الأمور تصير هذه الأمور كالقرينة الحالية- قلنا: هذه الأمور من جنس الكلام، فنقول: على ما تدل عليه بالطريق الذي يدل عليه الكلام، لا على مثال قرينة الحال، فتصير هذه الأمور مع اللفظ دلالة على إرادة البعض بجهة واحدة، فلم يكن اللفظ بانفراده لا حقيقة ولا مجازًا، بل الجملة حقيقة في البعض- والله تعالى أعلم.