اختلف أهل الأصول في أن العام المخصوص هل يصح الاستدلال به؟
قال بعضهم: لا يصح الاستدلال به أصلًا على كل حال.
وقال بعضهم: يصح على كل حال.
[و] قال بعضهم: يصح الاستدلال به في حال دون حال، واختلفوا في تفصيل تلك الحالة:
قال بعضهم: إن خصَّ بدليل متصل به، نحو الشرط والصفة والاستثناء، يصح الاستدلال به. وإن خص بدليل منفصل، لا يصح الاستدلال به- وهو قول أبي الحسن الكرخي ﵀.
[ ٢٤٠ ]
وقال بعضهم: إن كان المخصص منع تعليق الحكم بالاسم العام، وأوجب تعليقه بشيء لا ينبئ عنه الاسم: لا يصح الاستدلال به. وإن لم يمنع من تعلق الحكم بالاسم العام: يصح ذلك.
مثال الأول- آية السرقة، وهي قوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾: فإن قيام الدلالة على اشتراط الحرز والقدر يمنع من تعلق القطع باسم السارق، وأوجب تعليقه بشيء لا ينبئ عنه الاسم.
ومثال الثاني- قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾: فإن قيام الدلالة على المنع من قتل معطي الجزية [لا] يمنع من تعلق القتل باسم المشرك.
والمختار- أنه يصح الاستدلال به فيما وراء المخصوص مطلقًا.
والدلالة على ذلك وجهان:
أحدهما- أن معنى قولنا: "يصح الاستدلال" هو أن يتوصل به إلى العلم بحكم ما عدا المخصوص، وهو قائم بعد التخصيص، لأن اللفظ متناول لما عدا المخصوص، أعني أنه دليل على إرادته بأصل الوضع، لأن اللفظ في الأصل
[ ٢٤١ ]
موضوع للاستغراق وللكل، والكل ليس إلا آحاد [أ] اجتمعت، فجرى اللفظ في تناوله الآحاد مما دخل تحته، مجرى ألفاظ موضوعة لكل واحد من آحاده. فإذا خص البعض، بقي دليلًا على إرادة الباقي، بحكم الوضع. ولهذا المعنى صح الاستدلال قبل التخصيص، فصح قولنا: إنه يتوصل به إلى الحكم فيما عداه.
فإن قيل: العام بعد التخصيص يصير مجازًا على ما ذكرنا، فلا يصح التمسك فيما تناوله بحكم الوضع، لأن ذلك حمل له على حقيقته، ومحال أن يكون اللفظ مقررًا في موضوعه حائدًا عن موضوعه. ولأن اللفظ بالتخصيص يصير مجملًا، والتعلق بالجمل لا يصح. وبيان الإجمال أن الحكم قبل التخصيص كان متعلقًا بظاهر الاسم، وبعد التخصيص لم يبق متعلقًاب ظاهره- ألا ترى أن المخصوص شارك ما عدا المخصوص في الاسم وفارقه في الحكم، وجرى العام بعد التخصيص مجرى اسم الصلاة في أنه لما دخل فيها أفعال لا ينبئ عنها الاسم لغة، لا يصح التمسك به لإيجاب الصلاة الشرعية، فكذا هذا- قلنا: اللفظ إنما صار مجازًا من حيث إنه لم يوضع لما عدا المخصوص على الانفراد، لا أنه لم يوضع له أصلًا، وهذا النوع من المجاز لا يمنع من صحة الاستدلال به، على ما ذكرنا: أنه يدل على إرادة ما عداه.
وأما قوله: بأنه صار مجملًا- قلنا: لا كذلك، لأن المجمل ما لا يعرف مراده، وقد ذكرنا أن التخصيص يُعلم أن المراد منه الباقي، لأنه متناول له بحكم الوضع.
قوله: المخصوص شارك غير المخصوص في ظاهر الاسم- قلنا: فلو خلينا وظاهر الاسم، لكنا لا نفصل بينهما، إلا أنا امتنعنا من تعليق الحكم به في المخصوص، لمانع، ولا مانع فيما عداه، فيتعلق به، بخلاف اسم "الصلاة"،
[ ٢٤٢ ]
لأنه ليس من الصلاة ما ينبئ عنه الاسم لغة، بل المراد منه الأفعال المعهودة، فلا يصح التمسك به، لإثبات حكمه فيما هو المراد باللفظ، لنه غير معلوم باللفظ لغة.
والوجه الثاني- إجماع الصحابة ﵃- فإنه رُوي عن علي ﵁ أنه قال: نتمسك في الجمع بين الأختين المملوكتين بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ويقول: "أحلتهما آية وحرمتهما آية فالتحريم أولى". ومعلوم أن قوله ﷿: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ خصَّ منه البنت والأخت من الرضاع. وعن عثمان ﵁ أنه كان يتمسك على هذا الوجه. وعن ابن عباس ﵁ أنه كان يتمسك بقوله تعالى: ﴿وأُمَّهَاتُكُمُ اللَاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ في التحريم بالرضعة الواحدة، وردَّ لذلك خبر ابن الزبير ﵁ وهو قوله: "لا تُحرِّم الرضعة والرضعتان"- إلى غير ذلك من وجوه الاستدلال بالعمومات المخصوصة. ولم يُنقل عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، فكان إجامعًا.
وأما من فصل بين ما يمنع تعلق الحكم باسم عام وبين ما لا يمنع-[فـ] قال بأن قيام الدليل على اشتراط الحرز والمقدار أوجب تعليق الحكم
[ ٢٤٣ ]
بأمر لا ينبئ عنه الاسم- ألا ترى أنه لا يجوز لنا أن نُقدم على قطع السارق إلا بعد أن نعرف أنه سرق مالًا مقدرًا من حرز، ولو شككنا فيه لا يجوز قطعه. فلم يكن ظاهر لفظ العموم كافيًا في الدلالة على الحكم، فلا يصح التعلق به، بخلاف سائر العمومات المخصوصة، لأن ظاهر اللفظ دليل عليه، إلا أن دلالة التخصيص أوجبـ[ـت] خروج بعض المسمى، فبقي ظاهر اللفظ معمولًا به فيما وراءه.
والجواب:
قلنا: لا فرق بينهما، فإن قوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ﴾ يتناول كل سارق، سرق قليلًا أو كثيرًا، من حرز أو غيره- فيصح الاستدلال به على وجوب القطع على كل من اختص بهذين الشرطين، لأنه سارق، ولا مانع يمنعه من قطعه- ألا ترى أنا لو خلينا وظاهر النص، لكنا نجوز قطع سارق لم يختص بهذين الشرطين، فكان الحكم متعلقًا بما ينبئ عنه السام.
قوله: لا يجوز لنا أن نُقدم على قطع السارق إلا بعد أن نعرف هذين الشرطين- قلنا: إنما لا يجوز ذلك لنعرف دليل أنه غير داخل تحت التخصيص، لا لنعرف أنه داخل تحت القطع.
والقول في هذا، وفي سائر العمومات المخصوصة، سواء، فإن قوله تعالى:
[ ٢٤٤ ]
﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ لما قامت الدلالة على منع قتل معطي الجزية، لا يجوز لنا أن نقتل مشركًا إلا بعد أن نعرف أنه [من] غير معطي الجزية، ومتى شككنا فيه لا نعوز قتله، ومع هذا: صح الاستدلال بها، بالطريق الذي قلنا- كذا هذا.
هذا كله إذا كان المخصوص معلومًا، فإن كان مجهولًا [فـ] لا يصح التعلق به فيما وراءه، لأنه يوجب جهالة في الباق، لأنه بيان كالاستثناء، فيصير كأنه قال: "اقتل المشركين إلا رجلًا". والله أعلم.