اعلم أن سبب الخطاب هو ما يدعو إلى الخطاب. وذلك ضربان:
أحدهما- دنو وقت العبادة، ووقوع الحاجة إلى بيان الحكم.
والآخر- سؤال السائل، وهو على ضربين:
أحدهما- أن يستقل الخطاب الذي خرج جوابًا له بنفسه.
والآخر- لا يستقل بنفسه.
[ ٢٤٦ ]
-[أما الذي لا يستقل بنفسه]- فبأن كان بحال لا يفهم منه شيء لو انفرد، نحو قوله ﵇ حين سُئل عن بيع الرُّطب بالتمر: "أوَ ينقص [الرُّطب] إذا جفَّ؟ فقيل: نعم، فقال: لا- إذن".
والحكم فيه أن يقتصر على سببه، ولا يتعدى إلى غيره، لأن قوله: "لا- إذن" نفي للمذكور، ولا مذكور في كلام الرسول، ولا كلام السائل إلا بيع الرطب بالتمر، فاقتصر نفي الجواز عليه.
فإن قيل: هلَّا كان هذا نفيًا لجواز [بيع] كل ما ينقص إذا جفَّ بما قد جفَّ، فيصير كأنه قال: إذا كان الحال هكذا [فـ] لا يجوز بيعه- قلنا: إن عنيت بهذا أن انتفاء جواز بيع ما ينقص إذا جفَّ معقول بطريق القياس، فلا نأبى ذلك. وإن عنيت به أن قوله: "فلا إذن" ينفيه بنفسه، فباطل، لأن السؤال لم يقع عنه.
- وأما الذي يستقل بنفسه- نحو قوله ﵇: "الخراج بالضمان": فإن هذا ورد على سبب خاص، وهو السؤال عن عبد بعينه.
والحكم فيه، وفي كل سبب خاص غير السؤال، عندنا أن لا يقتصر عليه. بل يتعدى إلى كل ما يتناوله العام، إلا إذا دلَّ الدليل [على قصره على سببه]،
[ ٢٤٧ ]
نحو العادة في قوله: "تَغدَّ معي" فقال: "لا أتغدى والله": يتقيد اليمين بالغداء المدعو إليه بالعادة- وهذا عندنا.
وقال الشافعي ﵀: يقتصر على سببه في جميع المواضع.
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه أن اللفظ العام إذا ورد ابتداء على سبب، إنما يجب العمل بعمومه لتناول اللفظ الكل لغة لما مرَّ، وهذا لا ينعدم إذا كان السبب الذي ورد عليه خاصًا، فيجب العمل بعمومه أيضًا، إذا الحكم يثبت باللفظ لا بالسبب.
والمخالف احتج بأشياء:
منها- أن العادة تقتضي قصر الخطاب على سببه، كما في قول القائل: "تغدَّ معي" فقال: "لا أتغدى والله".
ومنها- أنه لو أجرى اللفظ على عمومه، لكان جوابًا وابتداء، والقصد في الجواب ينافي القصد إلى الابتداء، لأن الجواب ما يكون بناء، والابتداء لا يكون بناء، والقصد إلى البناء مع القصد إلى ترك البناء يتنافيان.
[ ٢٤٨ ]
ومنها- أنه لو تعدى إلى غيره لما أخر البيان إلى هذه الحالة، لأن هذه الحالة وما قبلها من الخلاف في حق الحاجة إلى البيان سواء.
ومنها- أن الجواب يجب أن يكون مطابقًا للسؤال، وإنما يكون مطابقًا إن لو كان مساويًا له، وإذا تعدى إلى غيره لم يكن مساويًا له، فلم يكن مطابقًا- ألا ترى أنه لا يجوز أن يكون أنقص من السؤال لانعدام المطابقة.
والجواب:
أما الأول- قلنا: لا نسلم أن العادة في حق النبي ﵇ أن يكون المراد من خطابه ما وقع السؤال عنه.
أما مسألة الغداء -فمن عادة الناس أنهم يدرون ذلك. ولم يجب- إذا غيَّر قبل الحف ما دعى إليه من الغداء- أن يغير خطاب النبي ﵇، فلا نغير.
وأما الثاني- قلنا: إن عنيت بالابتداء والبناء- أنه جواب عما وقع السؤال عنه، وابتداء فيما لم يقع عنه السؤال، فنحن هكذا نقول. لكن القصد إلى ذلك لا يتنافيان، ألا ترى أنه لا يتنافى القصد إلى ذلك في خطاب يتعدى إلى غيره، نحو قوله ﵇ حين سئل عن ماء البحر فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"- فكذا هذا.
وأما الثالث- قلنا: لا يمتنع أن تكون المصلحة في أني بين حكم ما عدا ما وقع السؤال عنه، ألا ترى أنه يجوز أن يبين الحكم ابتداء ولا يقال إنه
[ ٢٤٩ ]
لو كان الحكم ثابتًا لما أخر البيان إلى هذه الحالة، ولأن مثل هذا لا يمتنع في خطاب يتعدى إلى غيره مما ليس من جنسه- فكذا هذا.
وأما الرابع- قلنا: إن عنيت بالمطابقة المساواة، فلا نسلم أنها شرط. وإن عنيت به أنه يجب أن يكون متضمنًا لجميع ما وقع السؤال عنه، فمسلم. ولكن هذا كما يحصل بالمساواة وحدها، يحصل بالمساواة مع المجاوزة، كما في خطاب يتعدى إلى غيره مما ليس من جنسه- فكذا هذا.
قوله: لا يجوز أن يكون الجواب أخص من السؤال- قلنا: إنما لا يجوز ذلك، لأن السؤال لما وقع عن جملة: فإذا اقتصر في الجواب على البعض، فقد أخل ببيان واجب، ولا كذلك إذا كان الجواب أعم، لأنه ما أخ ببيان واجب، حتى إن كان السائل من أهل الاجتهاد، وفي الوقت سعة، جاز أن يقتصر على البعض، ونبَّه على الباقي بالقياس عليه.