اعلم أن ألفاظ العام إذا تعقَّبها تقييد، بصفة أو باستثناء أو بشرط أو بحكم، وكان ذلك لا يتأتى إلا في بعض ما تناوله اللفظ العام- اختلف الناس فيه:
ذهب الأكثرون إلى أنه يُحمل على الكل.
وذهب بعضهم إلى أنه يُحمل على البعض.
والمختار أنه يُتوقف فيه.
[ ٢٥٠ ]
مثال التقييد بالاستثناء- قوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن طَلَّقْتُمُ﴾ إلى قوله: ﴿إلَاّ أَن يَعْفُونَ﴾: علَّق العفو بكناية راجعة إلى النساء، ومعلوم أن العفو إنما يصح من المالكات لأمورهن، دون الصغيرة والمجنونة والأمّة، فالمراد من النساء المذكورات في صدر الكلام: [هل] اللواتي يصح منهن العفو أو الكل؟ - فهو على هذا الخلاف.
ومثال التقييد بالصفة- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾
[ ٢٥١ ]
يعني الرغبة في مراجعتهن، ومعلوم أن الرغبة في المراجعة يتأتى في المطلقات الرجعيات، دون البائنات.
ومثال التقييد بالحكم- قوله: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ وأراد به الرجعة، ومعلوم أن ذلك لا يصح إلا في المطلقات الرجعيات دون البائنات، فالمراد من العام: [هل] الكل أو المطلقات الرجعيات: فهذا على الخلاف الذي ذكرنا.
- أما الأكثرون-[فـ] ذهبوا إلى أن الأصل في اللفظ العام أن يجري على عمومه إلا أن يضطرنا دليل إلى أن تخصصه، وخصوص آخره لا يضطرنا إلى تخصيص أوله، لجواز أن يكون المراد بالأول عامًّا وبالثاني خاصًا، فبقى اللفظ عامًّا، فيجب العمل بعمومه.
- واحتج الفريق الثاني بأن المذكور في آخر الكلام كناية، كما في قوله تعالى: ﴿إلَاّ أَن يَعْفُونَ﴾ أو جارْ مجرى الكناية. ومن حق الكناية أن يرجع إلى جميع ما تقدم ذكره، لأن الكناية تنصرف إلى المذكور السابق، والمذكور السابق هو النساء المطلقات، فانصرفت الكناية إليهن، فصار الكل موصوفًا بهذا الوصف، وهو كونهن مالكات لأمورهن- ألا ترى أن قائلًا لو قال: "من دخل من
[ ٢٥٢ ]
عبيدي الدار فاضربهن إلا أن يتوبوا" انصرفت الكناية إلى جميع ما تقدم ذكره، وجرى ذلك مجرى قوله: "إلا أن يتوب عبيدي الداخلون الدار"- كذا هذا، وصار كأنه قال: "إلا أن يعفو النساء المطلقات".
- والدليل على صحة المذهب المختار هو أن ظاهر العموم يقتضي التعميم، وظاهر الكناية يقتضي التخصيص، وليس التمسك بأحدهما أولى من الآخر، فيجب التوقف.
فإن قيل: التمسك بظاهر العموم أولى، لأنه اسم ظاهر، وذلك كناية- قلنا: هذا ليس بأولى من قول القائل: التمسك بالكناية أولى، لأنه كناية.
[ ٢٥٣ ]