- قال عامة الأصوليين بأنه يجب ذلك فيه.
- وقال أصحاب الشافعي- إنه لا يجب ذلك، ويبقى المعطوف عليه عامًّا.
- والمختار أنه على التفصيل:
* إن كان المعطوف مقيَّدًا بزيادة في الكلام، يقتصر في الإضمار على القدر الذي يصير الكلام به مستقلًا ولا يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره.
* وإن لم يكن مقيدًا بزيادة، يجب إضمار جميع ماي مكن إضماره فيه، فيجب التوقف في عموم صدر الكلام وخصوصه.
أما إذا كان المعطوف مقيدًا بزيادة:
فمثاله قول القائل: لا تقتلوا اليهود بالحديد ولا النصارى في الأشهر الحرم- يقتضي الإضمار على القدر الذي يصير الكلام به مستقلًا، حتى يصير كأنه قال: لا تقتلوا اليهود بالحديد ولا [تقتلوا] النصارى في الأشهر الحرم، وإنما كان كذلك، لأنه مني قيده بزيادة علمنا أنه قصد به أن يخالف بينهما في كيفية القتل وجهته ويشركه في أصل القتل.
[ ٢٥٤ ]
وأما إذا لم يكن مقيدًا بزيادة:
ذهب عامة الأصوليين في ذلك أن قضية عطف الشيء على غيره أن يضمر فيه جميع ما هو مضمر في المعطوف عليه إذا أمكن- ألا ترى أن من قال لعبده: "لا تشتر اللحم بالدراهم الصحاح ولا الخبز"، لا يقتصر في الإضمار على الشراء بل يضمر الشراء بالدراهم الصحاح حتى يصير معنى الكلام: "لا تشتر اللحم بالدراهم الصحاح ولا تشتر الخبز بالدراهم الصحاح". وإنما وجب ذلك، لأن ظاهر العطف يقتضي اشترك المعطوف عليه في الحكم مطلقًا، لأن الواو للجمع مطلقًا على ما عرف. والحكم في هذا المثال ليس المنع من مطلق الشراء، بل هو المنع من الشراء بالدراهم الصحاح، فيصير مذكورًا في شراء الخبز تحقيقًا للعطف والاشتراك.
فإن قيل، وهو شبهة المخالفين: الداعي إلى الإضمار في المعطوف فقد الاستقلال، إذ لو كان مستقلًا بنفسه لا حاجة إلى الإضمار، فيجب إضمار هذا القدر دون الزيادة- قلنا: هذا يوجب الإضمار، أما لا يمنع كون غيره موجبًا، وهو ما ذكرنا من قضية الجمع والاشتراك مطلقًا.
إذ ثبت هذا بطل الاستدلال لأصحاب الشافعي ﵀ بقوله ﵇: "لا يُقتل مؤمن بكافر" على نفي قتل المؤمن بالذمي. لأنا نقول: المراد منه الكافر الحربي، لأن النبي ﷺ عطف عليه قوله: "ولا ذو عهد في عهده"،
[ ٢٥٥ ]
والمعطوف يجب أن يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره مما في المعطوف عليه، والمظهَر في المعطوف [عليه] قتل بكافر، فيجب أن يضمر كلاهما في المعطوف، فصار معنى الكلام: ولا يقتل ذو عهد بكافر، ولا يقتصر على قوله: "ولا يُقتل ذو عهد" لأن المظهَر في المعطوف [عليه] ليس مطلق القتل بل قتل المؤمن بالكافر، ومعلوم أن ذا العهد يقتل بالكافر الذميِّ، ولا يقتل بالكافر الحربي، فكذلك المضمر في المعطوف: يجب أن يكون مخصوصًا بالكافر الحربي، لأن المضمر في المعطوف ما هو المظهَر في المعطوف عليه، فلو جعلنا الكافر في المعطوف عليه عامًّا وفي المعطوف خاصًّا لم نكن قد أشركنا المعطوف والمعطوف عليه في الحكم.
إذا ثبت هذا نقول: لما كان الكافر في المعطوف مخصوصًا بالحربي، فكذلك في المعطوف عليه: هذا هو تقرير هذا المذهب- إلا أنَّا نقول بأن المعطوف في هذا الحديث تقيد بزيادة وهو قوله: "ولا ذو عهد في عهده" أي لأجل عهده، وما دام تمسكًا بعهده، وقد ذكرنا أن في مثل هذا الموضع لا يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره فيه، فلو وجب الإضمار كان الأولى فيه الوقف، كما اختران من المذهب [القول] بالوقف- والله أعلم.