اعلم أن اللفظ المطلق هو اللفظ المتناول لفرد غير معين، غير متعرض لصفة من الصفات- كقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾: فلفظة "الرقبة" مطلقة، لأنها تناولت فردًا من الرقاب غير متعرضة لصفة فيها، كالكفر والإيمان، والسواد والبياض، ونحو ذلك.
وحكمه:
عند بعض الفقهاء: إيجاب الفعل في واحد غير معين، وإنما يتعين ذلك بالفعل واختيار المكلِّف.
وعندنا: إيجاب الفعل في كل الرقاب على البدل. وهذا على مثال الأمر بالأشياء على وجه التخيير، وقد قررنا الكلام فيه في باب الأوامر.
[ ٢٦٠ ]
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه أن قوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ لا تناولت [اللفظة] الرقبة ولم تتعرض للصفات، دل على أن المعول عليه والمؤثر في استيفاء المصلحة وكونه تكفيرًا، هو كونه رقبة فقط، لأن الله تعالى علَّق الأمر وكونه تكفيرًا، به لا بصفة أخرى، وكل ذات يسمى رقبة، فالفعل فيه يقع واجبًا وتكفيرًا، ولهذا لا يصح نفي واحد من الرقاب عنه.
لا يقال: هذا بعينه، أو ذلك، غير مراد بالنص، إلا أن الفعل في الكل واجب على البدل لا على الجمع، فإذا وجد الفعل في واحد منهما حصلت المصلحة مستوفاة، فيسقط الثاني- هذا معنى قولنا: إن المطلق عامٌّ معنى إن كان خاصًا صورة.
فإن قيل:
- قوله: "رقبة" تناول فردًا واحدًا، والعام ما يكون مستغرقًا، فكيف يمكن دعوى العموم فيه؟ .
- والثاني- إن الرقبة المطلقة على هذا التفسير لا وجود لها في العالم، فلا يتصور إيقاع التحرير فيها، لن الذات الموصوف بكونها رقبة، ولا يوجد فيها صفة أخرى، لا وجود لها في العالم- فكيف يجب إيقاع التجويز فيها؟ .
قلنا:
- قوله "رقبة": إن كان فردًا ولكنه نبَّه على المعنى الذي لأجله تناوله وتعلق الحكم به، وهو كونها رقبة فقط، فكان متناولًا لكل ما هو رقبة معنى، بمنزلة قوله "تحرير الرقبة كفارة" لكونها رقبة فقط، ولو كان لفهم منه العموم على البدل- فكذا هذا.
- وقوله: الذات المطلق على هذا التفسير لا وجود له- قلنا: بلى،
[ ٢٦١ ]
لكن اللفظ المطلق ليس ما يتناول ذاتًا لا صفة له في الوجود، بل اللفظ المطلق ما يتناول ذاتًا له صفات في الوجود، لكنه تعرض لذاته في الحكم المتعلق به لا بشيء من صفاته، والذات الذي يتعرض النص لذاته ويتعلق الحكم بذاته لا بصفاته، لها وجود، ولا نعني باللفظ المطلق والرقبة المطلقة إلا هذا- فلم يكن إيجابًا للفعل فيما لا وجود له.