اعلم أن الحقيقة الشرعية هي اللفظة المفيدة لمعناها بمواضعة أهل الشرع- على ما مرَّ.
وقد دخل فيه ما وُضع له الاسم ابتداء، ودخل فيه أيضًا ما نقل الاسم عن غيره إليه.
فالأول- لا خلاف فيه.
والثاني- اختلفوا في جوازه:
ذهب الأكثرون إلى جواز ذلك.
وحكى عن بعضهم منع جوازه. وقالوا: إن اللفظ متى كان حقيقة في الشيء وسُلب عن معناه وعُوِّض غيره لانقلبت الحقيقة، وقلب الحقيقة لا يجوز.
لكنا نستدل على جواز ذلك، فنقول:
إن كون الاسم اسمًا للشيء ليس بواجب، بل هو تابع للاختيار- ألا ترى أن الاسم منتف عنه قبل المواضعة، وحالة المواضعة جائز أن يسمى الشيء باسم غيره، فيسمى السواد بياضًا والبياض سوادًا. ومتى كان تابعًا للاختيار، جاز أن يختار مختار سلب الاسم عن معنى ونقله إلى معنى آخر.
وقوله: بأن هذا قلب الحقيقة- قلنا: إن عنيت به خروج الاسم عن
[ ٢١ ]
أن يكون حقيقة في الشيء بعد أن كان حقيقة فيه وصيرورته حقيقة لشيء آخر، فذلك جائز، لأنه لا مانع للاختيار على ما مرَّ. وإن عنيت به شيئًا آخر، فنحن لا نعقل ذلك الشيء.
فإن قيل: لمَّا كان الله تعالى قادرًا على وضع اسم له ابتداء، فلا معنى لنقل الاسم من غيره إليه- قلنا: الشريعة جاءت بعبادات لم تكن معهودة بين أهل اللغة، فلا بد من وضع اسم لها، ليمتاز به عن غيرها، كما يجب ذلك في ولد يُولد للإنسان وآله يتخذها بعض الصناع. ومتى لم يكن من ذلك بدٌّ، فلا يمتنع أن تتعلق المصلحة بنقل الاسم من غيرها إليها، كما لا يمتنع أن تتعلق المصلحة بوضع اسم لها ابتداء، وإذا جاز ذلك جاز ورود الشر عبه- هذا دليل الجواز.
والدليل على ثبوت ذلك- أن اسم "الصلاة" في اللغة لم يكن موضوعًا لمجموع هذه الأفعال، ثم صار اسمًا له بالشرع، حتى لا يفهم عند إطلاقه سوى مجموع هذه الأفعال.
فإن قيل: ما أنكرتم أن "الصلاة" في الأصل موضوع للاتباع، ولهذا يسمون الطائر "مصليًا" لأنه يتبع السابق، فكذلك إنما سمى مجموع هذه الأفعال "صلاة" لأنها اتباع الإمام -فإذن لا تختلف فائدته الوضعية- قلنا: هذا يقتضي أن لا يسمى صلاة الإمام وصلاة المنفرد "صلاة" لأنه ليس فيها اتباع الإمام، ولكان يجب فيمن تكلم بهذه الصيغة أن يعني به الاتباع ويفهم السامع منه ذلك، ومعلوم أنه لا يخطر ببال السامع ولا ببال المتكلم عند إطلاق هذا الاسم إلا مجموع هذه الأفعال.
فإن قيل: ما أنكرتم أن الصلاة في اللغة عبارة عن الدعاء- قال القائل:
[ ٢٢ ]
"صَلَّى على دَنِّها وارتسمْ"، أي دعا عليه، وفي الشرع جعل علمًا على مجموع هذه الأفعال لأن فيها دعاء، فإذن لم يختلف فائدته الوضعية- قلنا: إن عنيتم بهذا الكلام أن اسم "الصلاة" واقع على مجموع هذه الأفعال، لأن فيها دعاء- فقد سلمتم ما نريده من نقل الاسم عن معنى إلى غيره، فبعد ذلك لا يضرنا أن تعللوا ذلك بما ذكرتم من العلة وهو أن فيه دعاء. وإن عنيتم به أن اسم "الصلاة" واقع على الدعاء من جملة هذه الأفعال دون مجموعها- فهذا باطل، لأن المفهوم من هذا الاسم عند الإطلاق مجموع هذه الأفعال لا البعض- ألا ترى أن قائلًا لو قال: "فلان في الصلاة" فُهم منه أنه في جزء منها، أي جزء كان، دعاء أو غ ير دعاء. ولو قال: "فلان خرج من الصلاة" يُفهم منه أنه فارق مجموع هذه الأفعال لا البعض. ولو كان الأمر كما ذكرتم، يجب أن قائلًا لو قال: "خرج نم الصلاة" يُفهم منه أنه فارق الدعاء، ولو عاد إلى الدعاء يستقيم أن يقال: "عاد إلى الصلاة" والأمر بخلافه. وكذا هذا في اسم الزكاة والحج وغيرهما- فدلَّ ذلك على ثبوت الحقائق الشرعية.
فإن قيل: نقل الاسم اللغوي عن معناه في الشرع يؤدي إلى الإغراء بالجهل والحمل على اعتقاد قبيح، وذلك لا يجوز- وبيانه: وهو أن الشرع إذا استعمل الاسم اللغوي في معنى، [فـ] لا بد أن يتعلق به حكم وتكليف، فالسامع إذا كان قد عرف كون الاسم حقيقة في شيء، يسبق إلى فهمه ذلك ويعتقد التكليف به، فإذا أراد الشرع غير ذلك [فإنه] يؤدي إلى ما ذكرنا من القبيح- قلنا: نحن، وإن جوزنا نقل الاسم في الشرع عن معناه إلى غيره،
[ ٢٣ ]
فإنما تجوزه بشرط إشعار سابق أو بيان مقارن وغير ذلك، فلا يؤدي إلى ما ذكرتم من الحمل على القبيح.
والله أعلم.