ذهب الأكثرون إلى ثبوت ذلك.
وحكى عن بعضهم منع ثبوته.
واختلافهم في ذلك إما أن يكون اختلافًا في المعنى أو في العبارة.
أما الاختلاف في المعنى- فمن وجهين:
أحدهما- أن يقولوا: إن أهل اللغة ما استعملوا هذه الأسامي فيما نقول إنه مجاز فيه، كاسم الأسد في الشجاع واسم الحمار في البليد - وهذه مكابرة لا يرتكبها أحد.
والآخر- أن يقولوا إن أهل اللغة استعملوا اسم الحمار في البليد لكنهم قالوا إن اسم الحمار كما هو موضوع للبهيمة المخصوصة، فهو موضوع للبليد. وهو أيضًا بعيد، لأنا نعلم- كما نعلم باضطرار أن أهل اللغة استعملوا اسم الحمار في البلد- نعلم باضطرار أيضًا أنهم استعملوه في البليد تبعًا وتشبيهًا له بالبهيمة،
[ ٢٤ ]
وأن استحقاق البليد هذا الاسم ليس كاستحقاق البهيمة، فالبهيمة تستحق هذا الاسم لكونه موضوعًا لها، والبليد يستحقه لأنه شابهها، فاستحق اسمها- دلَّ عليه أن قائلًا لو قال "رأيت حمارًا" فهم منه البهيمة المخصوصة دون البليد، ولو كان الاسم موضوعًا لهما لكان لا يسبق إلى فهم السامع عند الإطلاق أحدهما دون الآخر.
فإن قيل: لما كانت الحقائق تعم المسميات، فلماذا تجوزوا بها عن محالها- قلنا لوجوه:
منها -أن في المجاز من الفصاحة والمبالغة في الوصف ما ليس في الحقيقة- ألا ترى أنه متى وصفنا الرجل البليد بأنه حمار، كان أبلغ في الإبانة عن معنى البلادة، من وصفنا له بأنه بليد.
ومنها- أن المجاز قد يكون بضرب حذف، فيستعمل طلبًا للتخفيف.
ومنها- أن الطباع قد تنفر عن بعض المعاني، فيتجافى الناس عن التصريح بذلك، فيكنون عنه باسم غيره، كالحدث المكني عنه باسم الغائط.
وغير ذلك.
وأما الاختلاف في العبارة:
فبأن سلموا أن أهل اللغة استعملوا اسم الحمار في البليد وأن اسم الحمار غير موضوع للبليد، فاستحقاق البليد لهذا الاسم ليس كاستحقاق البهيمة. لكنهم قالوا: إذا عنى به البليد [فـ] لا نسميه مجازًا، بل نسميه مع القرينة حقيقة- فنقول لهم: لما سلمتم معنى المجاز، لم امتنعتم من تسميته مجازًا؟
[ ٢٥ ]
فإن قالوا: لأن أهل اللغة لم يسموه بذلك- قلنا: أولًا -هذا ممنوع، فإن أهل اللغة قالوا في كتبهم: هذا الاسم حقيقة، وهذا الاسم مجاز. ثم إن لم يسمه أهل اللغة بذلك، لم يمتنع وضع اسم له، ليمتاز به [عن] غيره- ألا ترى أن أهل النحو سموا الضمَّة المخصوصة "رفعًا" والفتحة "نصبًا" وإن لم يسمه أهل اللغة بذلك، ولم يلحقهم بذلك عيب، بل حَسُنَ منهم ذلك، ليكون أداة لهم في ضبط لغتهم- فكذا هذا.
وقوله: إنَّا نسميه مع القرينة حقيقة- قلنا: هذا إن صح، فلا يمنع إطلاق اسم المجاز عليه على الانفراد. على أن وصف الكلام بأنه حقيقة أو مجاز راجع إلى اللفظ، والقرينة قد تكون شاهد حال أو غيره مما لا يكون فعلًا للمتكلم، فلا يجوز وضعه في الحقيقة والمجاز.