ذهب الأكثرون إلى حُسن ذلك، وثبوته.
وذهب [بعض] أصحاب الظاهر إلى منع ثبوت ذلك.
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه أن الله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب وخاطبنا به، فاقتضى إنزاله القرآن بلغة العرب أن يخاطبنا بمثل ما يخاطب به
[ ٢٦ ]
بعضهم بعضًا، ومعلوم أنه قد يقع في مخاطباتهم المجاز كما يقع فيها الحقيقة، فحَسُنَ من الله تعالى أن يتكلم بالمجاز أيضًا، إلا ما فيه تنفير، كالكلام السخيف الذي ينسب قائله إلى العِيِّ، ومعلوم أن المجاز ليس هذا سبيله، بل أكثر الفصاحة يظهر بالمجاز.
فإن قيل: المجاز لا ينبئ عن المراد بنفسه، فورود القرآن به يؤدي إلى الالتباس كما ذكرنا، وذلك لا يجوز على الله تعالى- قلنا: نحن لا تجوز التكلم بالمجاز إلا بقرينة، وعند وجود القرينة يزول الالتباس.
فإن قيل: إن التكلم بالمجاز يشعر بالعجز عن التكلم بالحقيقة، وذا لا يجوز على الله تعالى- قلنا: إنما يشعر بذلك لو لم يجز التكلم بالمجاز مع القدرة على التكلم بالحقيقة، فأما إذا جاز ذلك فلا، وقد دللنا على جواز ذلك، لما في المجاز من زيادة الفصاحة والمبالغة في الوصف والاختصار في الكلام، على ما بيَّنا.
فإن قيل: لو حَسُنَ من الله تعالى أني تكلم بالمجاز، لجاز أن يسمى الله تعالى متجوِّزًا ومستعيرصا- قلنا: إنما لا يجوز إطلاق اسم المتجوز على الله تعالى من ارتكاب الحرام ومباشرة القبيح، فإن اسم المتجوِّز في العرف مستعمل في ذلك، وكذا إطلاق اسم المستعير، [لا يجوز، لنه] يوهم ما لا يجوز على الله تعالى، وهو أن يستأذن غيره لينتفع بملكه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
هذا دليل الجواز.
[ ٢٧ ]
والدليل على أن الله تعالى قد تكلم بالمجاز- قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِداَرًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾: أطلق اسم "المريد" على الجدار، وهذا مجاز من الكلام. وقوله تعالى: ﴿وجَاءَ رَبُّكَ﴾ وهذا مجاز أيضًا، إلى غير ذلك.
فإن قيل: ما أنكرتم أن هذه الأسامي في اللغة مجاز عن هذه المعاني، لكن لما استعملها الله تعالى فيها صارت منقولة إليها، وصارت حقيقة شرعية، كاسم الصلاة والحج وغيره- قلنا: لو كان الأمر كذلك لكان يسبق إلى أفهام أهل الشرع عند سماع هذه الألفاظ معانيها التي أرادها الله تعالى ولا يحتاج إلى القرينة، كما في اسم الصلاة والحج، ومعلوم أنه لا يسبق إلى أفهام أهل الشرع عند سماع هذه الألفاظ تلك المعاني إلا بقرينة، فعلم أنه مجاز فيها.