. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجَمِيعُ اصْطِلَاحِيًّا، لَاحْتِيجَ فِي تَعْلِيمِهَا إِلَى اصْطِلَاحٍ آخَرَ، سَابِقٍ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ الِاصْطِلَاحُ يُعْرَفُ بِاصْطِلَاحٍ آخَرَ، وَلَا بُدَّ وَأَنْ يَعُودَ إِلَى الْأَوَّلِ، ضَرُورَةَ تَنَاهِي الِاصْطِلَاحَاتِ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنْ قَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجَمِيعُ اصْطِلَاحِيًّا يَلْزَمُ الِاحْتِيَاجُ فِي تَعْلِيمِهَا إِلَى اصْطِلَاحٍ آخَرَ سَابِقٍ عَلَيْهِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعَرَّفَ الِاصْطِلَاحُ بِالتَّرْدِيدِ وَالْقَرَائِنِ، كَمَا يَعْرِفُ الْأَطْفَالُ لُغَةَ أَبَوَيْهِمْ بِهَا. [الرَّابِعُ: طريق معرفة الموضوعات اللغوية] ش - الْبَحْثُ الرَّابِعُ مِنْ مَبَادِئِ اللُّغَةِ فِي بَيَانِ طَرِيقِ مَعْرِفَةِ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ. اعْلَمْ أَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِي مَعْرِفَةِ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ ; لِأَنَّ الْأُمُورَ الْوَضْعِيَّةَ لَا يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِإِدْرَاكِهَا، بَلْ يَكُونُ الطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَتِهَا النَّقْلُ. وَهُوَ إِمَّا مُتَوَاتِرٌ - وَهُوَ فِي اللُّغَاتِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ التَّشْكِيكَ - كَالْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَنَحْوِهِمَا فِي عَدَمِ قَبُولِ التَّشْكِيكِ. وَإِمَّا آحَادٌ، وَهُوَ فِي اللُّغَاتِ الَّتِي تَقْبَلُ التَّشْكِيكَ. وَلُغَاتُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ أَكْثَرُهَا مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ. [الْأَحْكَامُ] [مقدمة الأحكام] [الحسن والقبح في حكم الله] ش - لَمَّا فَرَغَ الْمُصَنِّفُ عَنْ ذِكْرِ مَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ مِنَ اللُّغَةِ، شَرَعَ فِيمَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَرَتَّبَ الْكَلَامَ فِيهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أُصُولٍ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ يَسْتَدْعِي حَاكِمًا وَمَحْكُومًا عَلَيْهِ، وَمَحْكُومًا بِهِ. الْأَوَّلُ فِي الْحَاكِمِ.
[ ١ / ٢٨٦ ]
ص - الْأَحْكَامُ لَا يَحْكُمُ الْعَقْلُ بِأَنَّ الْفِعْلَ حَسَنٌ أَوْ قَبِيحٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَيُطْلَقُ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ إِضَافِيَّةٍ: لِمُوَافَقَةِ الْغَرَضِ وَمُخَالَفَتِهِ، وَلِمَا أَمَرَنَا بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالذَّمِّ، وَلِمَا لَا حَرَجَ [فِيهِ] وَمُقَابِلِهِ. وَفِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى حَسَنٌ بِالِاعْتِبَارَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ.
وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ وَالْبَرَاهِمَةُ: الْأَفْعَالُ حَسَنَةٌ وَقَبِيحَةٌ لِذَاتِهَا. [فَالْقُدَمَاءُ]: مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ. وَقَوْمٌ: بِصِفَةٍ. وَقَوْمٌ: بِصِفَةٍ فِي الْقَبِيحِ. وَالْجِبَائِيَّةُ: بِوُجُوهٍ وَاعْتِبَارَاتٍ.
ص - لَنَا: لَوْ كَانَ ذَاتِيًّا - لَمَا اخْتَلَفَ، وَقَدْ وَجَبَ الْكَذِبُ إِذَا كَانَ فِيهِ عِصْمَةُ نَبِيٍّ، وَالْقَتْلُ وَالضَّرْبُ وَغَيْرُهَا.
_________________
(١) [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٢٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] اعْلَمْ أَنَّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَحْكُمَ فِي فِعْلٍ تَعَلَّقَ حُكْمُ اللَّهِ بِهِ، أَيْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِينَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ حَسَنٌ أَوْ قَبِيحٌ. وَعِنْدَهُمْ يُطْلَقُ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ إِضَافِيَّةٍ: أَحَدُهَا الْمَشْهُورُ، وَهُوَ أَنَّ الْفِعْلَ إِذَا كَانَ مُوَافِقًا لِغَرَضِ الْفَاعِلِ، فَهُوَ الْحَسَنُ. وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِغَرَضِهِ فَهُوَ الْقَبِيحُ. وَنَعْنِي بِالْغَرَضِ مَا لِأَجْلِهِ يَصْدُرُ الْفِعْلُ مِنَ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ. فَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَ الْفِعْلُ مُوَافِقًا لِشَخْصٍ وَمُخَالِفًا لِآخَرَ فَهُوَ حَسَنٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يُوَافِقُهُ، وَقَبِيحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يُخَالِفُهُ، فَيَكُونُ إِضَافِيًّا. الثَّانِي: أَنَّهُ يُطْلَقُ الْحُسْنُ لِفِعْلٍ أُمِرْنَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بِالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ، وَالْقُبْحُ لِفِعْلٍ أُمِرْنَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بِالذَّمِّ لِفَاعِلِهِ. وَهَذَا أَيْضًا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ وُرُودِ الشَّرْعِ فِي الْأَفْعَالِ، فَيَكُونُ أَيْضًا إِضَافِيًّا. الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُطْلَقُ الْحَسَنُ لِفِعْلٍ لَا حَرَجَ عَلَى فَاعِلِهِ فِي الْإِتْيَانِ بِهِ، وَالْقَبِيحُ لِفِعْلٍ فِي الْإِتْيَانِ بِهِ حَرَجٌ عَلَى فَاعِلِهِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَشْخَاصِ، فَيَكُونُ أَيْضًا إِضَافِيًّا. وَفِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ حَسَنًا بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ لِغَرَضٍ. وَهُوَ حَسَنٌ بِالِاعْتِبَارَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ.
[ ١ / ٢٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] أَمَّا بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي ; فَلِأَنَّهُ أَمَرَ الشَّارِعُ بِالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ. وَأَمَّا بِالِاعْتِبَارِ الثَّالِثِ ; فَلِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي فِعْلِهِ. وَالْحَسَنُ بِالتَّفْسِيرِ الثَّانِي يَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَنَا الشَّارِعُ بِالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ. وَلَا يَتَنَاوَلُ الْمُبَاحَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرِ الشَّارِعُ بِالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ. وَبِالتَّفْسِيرِ الثَّالِثِ يَتَنَاوَلُ الْمُبَاحَ وَالْمَكْرُوهَ أَيْضًا ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا حَرَجَ فِي فِعْلِهِ. وَالْقَبِيحُ بِالتَّفْسِيرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ يَخْتَصُّ بِالْحَرَامِ ; لِأَنَّهُ أَمَرَ الشَّارِعُ بِالذَّمِّ لِفَاعِلِهِ، وَفِي فِعْلِهِ حَرَجٌ. وَلَا يَتَنَاوَلُ الْمُبَاحَ وَالْمَكْرُوهَ ; لِأَنَّهُ [لَمْ يَأْمُرْ] الشَّرْعُ بِالذَّمِّ لِفَاعِلِهِمَا وَلَا حَرَجَ فِي فِعْلِهِمَا. فَالْمَكْرُوهُ وَالْمُبَاحُ لَا يَكُونُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَسَنًا وَلَا قَبِيحًا [بِالتَّفْسِيرِ الثَّانِي] . وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ عَقْلِيٌّ. وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ بِالتَّفْسِيرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ. وَالْأَصْحَابُ قَالُوا: إِنَّ كَوْنَ الْفِعْلِ مُتَعَلِّقُ الْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا. وَكَوْنُهُ عَلَى وَجْهٍ فِيهِ حَرَجٌ أَوْ لَيْسَ، لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالشَّرْعِ، وَلَا اسْتِقْلَالَ لِلْعَقْلِ فِيهِ.
[ ١ / ٢٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ وَالْبَرَاهِمَةُ: الْأَفْعَالُ حَسَنَةٌ لِذَاتِهَا، قَبِيحَةٌ لِذَاتِهَا. فَمِنْهَا: مَا يَهْتَدِي الْعَقْلُ إِلَى حُسْنِهِ وَقُبْحِهِ بِالضَّرُورَةِ، كَحُسْنِ إِنْقَاذِ الْغَرْقَى وَقُبْحِ الْكَذِبِ الَّذِي لَا نَفْعَ فِيهِ. وَمِنْهَا: مَا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، كَحُسْنِ الصِّدْقِ الَّذِي فِيهِ ضَرَرٌ، وَقُبْحِ الْكَذِبِ الَّذِي فِيهِ مَنْفَعَةٌ. وَمِنْهَا مَا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ بِالسَّمْعِ. كَحُسْنِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ. وَالشَّارِعُ كَاشِفٌ لِلْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، لَا مُوجِبٌ لَهُمَا. ثُمَّ إِنَّ الْقَائِلِينَ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الذَّاتِيِّينَ اخْتَلَفُوا، فَقَالَتِ الْقُدَمَاءُ: لَيْسَ فِي الْفِعْلِ صِفَةٌ تَقْتَضِي حُسْنَهُ أَوْ قُبْحَهُ، بَلِ الْفِعْلُ يَقْتَضِي لِذَاتِهِ أَحَدَهُمَا.
[ ١ / ٢٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إِنَّ حُسْنَ الْفِعْلِ وَقُبْحَهُ لِأَجْلِ صِفَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الْفِعْلِ لَازِمَةٍ لَهُ تَقْتَضِي تِلْكَ الصِّفَةُ اللَّازِمَةُ حُسْنَ الْفِعْلِ أَوْ قُبْحَهُ. مَثَلًا الزِّنَا قَبِيحٌ ; لِأَنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَفْسَدَةِ اخْتِلَاطِ النَّسَبِ الْمُفْضِي إِلَى تَرْكِ تَعَهُّدِ الْأَوْلَادِ. وَالصَّوْمُ حَسَنٌ ; لِأَنَّهُ مُكَسِّرٌ لِلْقُوَّةِ الشَّهْوَانِيَّةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْفِعْلَ الْقَبِيحَ مُتَّصِفٌ بِصِفَةٍ تُوجِبُ قُبْحَهُ دُونَ الْفِعْلِ الْحَسَنِ ; فَإِنَّهُ لِذَاتِهِ يَقْتَضِي الْحُسْنَ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا يَكُونُ مُؤَدِّيًا إِلَى الْمَفْسَدَةِ يَكُونُ قَبِيحًا، وَإِلَّا فَحَسَنًا. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجِبَائِيُّ وَأَتْبَاعُهُ: إِنَّ الْأَفْعَالَ حَسَنَةٌ وَقَبِيحَةٌ بِوُجُوهٍ وَاعْتِبَارَاتٍ، كَالْمُوَاقَعَةِ بَيْنَ شَخْصَيْنِ بِلَا نِكَاحٍ وَلَا مِلْكٍ، فَإِنَّهُ إِذَا تَحَقَّقَ الِاشْتِبَاهُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ يَكُونُ حَسَنًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الِاشْتِبَاهُ أَصْلًا، كَانَ قَبِيحًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَإِذَا تَحَقَّقَ الِاشْتِبَاهُ مِنْ جَانِبٍ دُونَ آخَرَ فَهُوَ حَسَنٌ فِي حَقِّ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ، قَبِيحٌ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَشْتَبِهْ عَلَيْهِ. ش - لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَحْرِيرِ الْمَبْحَثِ، احْتَجَّ بِالدَّلِيلَيْنِ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ لَيْسَا بِذَاتِيَّيْنِ لِلْفِعْلِ. الْأَوَّلُ: لَوْ كَانَ الْفِعْلُ يَقْتَضِي الْحُسْنَ أَوِ الْقُبْحَ لِذَاتِهِ أَوْ لَوَصْفٍ هُوَ مُقْتَضَى ذَاتِهِ، لَمَا اخْتَلَفَ، أَيْ لَمَا صَارَ الْفِعْلُ الْحَسَنُ قَبِيحًا وَبِالْعَكْسِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ طَبِيعَةَ الْفِعْلِ إِذَا اقْتَضَى الْحُسْنَ لِذَاتِهِ أَوْ لِوَصْفٍ هُوَ مُقْتَضَاهُ، لَتَحَقَّقَ الْحُسْنُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْفِعْلِ ; لِأَنَّ مُقْتَضَى الذَّاتِ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا. وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أَنْ يَصِيرَ قَبِيحًا. وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي; فَلِأَنَّ الْكَذِبَ قَدْ يَكُونُ حَسَنًا. وَذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِعِصْمَةِ نَبِيٍّ. وَكَذَلِكَ الْقَتْلُ وَالضَّرْبُ. وَذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ الْقَتْلُ لِلْقِصَاصِ وَالضَّرْبُ لِلْحَدِّ. الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ ذَاتِيِّينَ لِلْفِعْلِ، لَاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ فِي صِدْقِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَأَكْذِبَنَّ غَدًا، وَكَذَا فِي كَذِبِهِ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: لَأَكْذِبَنَّ غَدًا، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكْذِبَ غَدًا أَوْ يَصْدُقَ.
[ ١ / ٢٩١ ]
وَأَيْضًا لَوْ كَانَ ذَاتِيًّا - لَاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ فِي صِدْقِ مَنْ قَالَ: لَأَكْذِبَنَّ غَدًا، وَكَذِبِهِ.
ص - وَاسْتَدَلَّ: لَوْ كَانَ ذَاتِيًّا - لَزِمَ قِيَامُ الْمَعْنَى بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّ حُسْنَ الْفِعْلِ زَائِدٌ عَلَى مَفْهُومِهِ، وَإِلَّا لَزِمَ مِنْ تَعَقُّلِ الْفِعْلِ تَعَقُّلُهُ، وَيَلْزَمُ وُجُودُهُ ; لِأَنَّ نَقِيضَهُ لَا حَسَنٌ، وَهُوَ سَلْبٌ، وَإِلَّا اسْتَلْزَمَ حُصُولُهُ مَحَلًّا مَوْجُودًا، وَلَمْ يَكُنْ ذَاتِيًّا، وَقَدْ وُصِفَ الْفِعْلُ بِهِ، فَيَلْزَمُ قِيَامُهُ بِهِ.
_________________
(١) [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٢٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ يَلْزَمُ قُبْحُهُ لِكَوْنِهِ كَذِبًا، وَحُسْنُهُ أَيْضًا لِكَوْنِهِ مُسْتَلْزِمًا لِصِدْقِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ. وَالْمُسْتَلْزِمُ لِلْحَسَنِ حَسَنٌ، فَيَجْتَمِعُ فِي الْخَبَرِ الثَّانِي الْحَسَنُ [وَاللَّا حَسَنُ،] وَهُوَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَلْزَمُ أَيْضًا حُسْنُ الْخَبَرِ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ صِدْقٌ، وَقُبْحُهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِكَذِبِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ فَيَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الدَّلِيلَيْنِ يَدُلَّانِ عَلَى إِبْطَالِ مَذْهَبِ الْقُدَمَاءِ. وَمَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِكَوْنِ الْفِعْلِ لِصِفَةٍ [ذَاتِيَّةٍ] تَقْتَضِي الْحُسْنَ أَوِ الْقُبْحَ. وَلَا يَدُلَّانِ عَلَى إِبْطَالِ مَذْهَبِ الْجِبَائِيَّةِ. وَقِيلَ عَلَى الْأَوَّلِ لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ التَّالِي. وَذَلِكَ لِأَنَّ عِصْمَةَ النَّبِيِّ قَدْ تَحْصُلُ بِدُونِ الْكَذِبِ بِأَنْ تَأْتِيَ بِصُورَةِ الْإِخْبَارِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهِ، أَوْ مَعَ قَصْدٍ إِلَيْهِ وَلَكِنْ مَعَ التَّعْرِيضِ. ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ عِصْمَةُ النَّبِيِّ إِلَّا مَعَ الْكَذِبِ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْكَذِبَ حَسَنٌ هَهُنَا. وَكَوْنُ عِصْمَةِ النَّبِيِّ حَسَنًا لَا يَسْتَلْزِمُ حُسْنَ الْكَذِبِ الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ.
[ ١ / ٢٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِصُورَةِ الْإِخْبَارِ عَلَى وَجْهٍ يُفْهِمُ الْخَبَرَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى الْإِخْبَارِ، أَمْرٌ لَا يُعْقَلُ وَلَا يُتَصَوَّرُ. وَلِأَنَّ فَهْمَ الْمَعْنَى يَتَعَلَّقُ بِالْإِرَادَةِ وَالْقَصْدِ. وَأَمَّا التَّعْرِيضُ فَرُبَّمَا لَمْ يُفِدْ، وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ صَرِيحُ الْإِخْبَارِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " كَوْنُ عِصْمَةِ النَّبِيِّ حَسَنًا لَا يَسْتَلْزِمُ حُسْنَ الْكَذِبِ الْمُؤَدِّي إِلَيْهِ " فَبَاطِلٌ ; لِأَنَّ مَا لَا يَحْصُلُ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ عَقْلًا عِنْدَهُمْ. وَقِيلَ عَلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا: لِمَ لَا يَجُوزُ اقْتِضَاءُ الشَّيْءِ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَنَافِيَيْنِ بِحَسَبَ شَرْطَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ. فَإِنَّ الْجِسْمَ إِذَا كَانَ فِي حَيِّزِهِ يَقْتَضِي السُّكُونَ وَفِي غَيْرِهِ يَقْتَضِي الْحَرَكَةَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ هُوَ أَنَّ الْفِعْلَ لِذَاتِهِ، أَوْ لِوَصْفٍ لَازِمٍ لَهُ، يَقْتَضِي الْحُسْنَ أَوِ الْقُبْحَ. وَالشَّرْطَانِ الْمُتَنَافِيَانِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصْفًا لَازِمًا لَهُ ; لِأَنَّ اللَّازِمَ يَمْتَنِعُ انْفِكَاكُ الشَّيْءِ عَنْهُ. ش - هَذَا اسْتِدْلَالٌ عَلَى أَنَّ الْقُبْحَ وَالْحُسْنَ لَيْسَا بِذَاتِيِّينَ لِلْفِعْلِ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ الْحُسْنُ ذَاتِيًّا لِلْفِعْلِ، لَزِمَ قِيَامُ الْمَعْنَى بِالْمَعْنَى، أَيْ قِيَامُ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ حُسْنَ الْفِعْلِ زَائِدٌ عَلَى الْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ زَائِدًا عَلَيْهِ لَكَانَ نَفْسَهُ أَوْ دَاخِلًا فِيهِ، وَكِلَاهُمَا بَاطِلَانِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ مِنْ تَعَقُّلِ الْفِعْلِ تَعَقُّلُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّا قَدْ نَعْقِلُ الْفِعْلَ وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِنَا أَنَّهُ حَسَنٌ أَوْ قَبِيحٌ، فَيَثْبُتُ أَنَّ الْحُسْنَ زَائِدٌ عَلَى الْفِعْلِ. وَيَلْزَمُ وُجُودُهُ، أَيْ يَكُونُ الْحُسْنُ الَّذِي هُوَ زَائِدٌ عَلَى الْفِعْلِ مَوْجُودًا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ نَقِيضَهُ لَا حَسَنٌ، وَهُوَ سَلْبٌ، أَيْ مَعْدُومٌ ; لِأَنَّ الْحُسْنَ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا اسْتَلْزَمَ وُجُودُهُ مَحَلًّا مَوْجُودًا يَقُومُ بِهِ. وَإِذَا اسْتَلْزَمَ مَحَلًّا مَوْجُودًا امْتَنَعَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَعْدُومِ. لَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَعْدُومِ ; إِذْ يُقَالُ: الْمَعْدُومُ لَا حَسَنٌ. فَثَبَتَ أَنَّ الْحُسْنَ سَلْبٌ، فَيَكُونُ الْحُسْنُ مَوْجُودًا ; لِأَنَّ أَحَدَ النَّقِيضَيْنِ إِذَا كَانَ سَلْبًا يَكُونُ النَّقِيضُ الْآخَرُ مَوْجُودًا، وَإِلَّا يَلْزَمُ ارْتِفَاعُ النَّقِيضَيْنِ. الثَّانِي: أَنَّ الْحُسْنَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا لَمْ يَكُنْ ذَاتِيًّا لِلْفِعْلِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ التَّقْدِيرِ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ.
[ ١ / ٢٩٤ ]
ص - وَاعْتَرَضَ بِإِجْرَائِهِ فِي الْمُمْكِنِ. وَ[بِأَنَّ] الِاسْتِدْلَالَ بِصُورَةِ النَّفْيِ عَلَى الْوُجُودِ دَوْرٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ثُبُوتِيًّا أَوْ مُنْقَسِمًا، فَلَا يُفِيدُ ذَلِكَ.
ص - وَاسْتَدَلَّ: فِعْلُ الْعَبْدِ غَيْرُ مُخْتَارٍ، فَلَا يَكُونُ حَسَنًا وَلَا قَبِيحًا لِذَاتِهِ إِجْمَاعًا. لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ - لَازِمًا فَوَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا - فَإِنِ افْتَقَرَ إِلَى مُرَجِّحٍ - عَادَ التَّقْسِيمُ وَإِلَّا فَهُوَ اتِّفَاقِيٌّ.
_________________
(١) [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٢٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْحُسْنَ لَوْ كَانَ مَعْدُومًا، اسْتَحَالَ إِسْنَادُهُ إِلَى الذَّوَاتِ ; لِأَنَّ السَّلْبَ لَيْسَ مِنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحُسْنَ وَصْفٌ زَائِدٌ عَلَى الْفِعْلِ، مَوْجُودٌ، لَزِمَ قِيَامُ الْعَرَضِ - وَهُوَ الْحَسَنُ - بِالْعَرَضِ، وَهُوَ الْفِعْلُ. وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي فَلِمَا بَيَّنَ فِي الْكَلَامِ مِنِ امْتِنَاعِ قِيَامِ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ. ش - اعْتَرَضَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ الْمَذْكُورِ بِنِقْضَيْنِ إِجْمَالِيٍّ وَتَفْصِيلِيٍّ. أَمَّا الْإِجْمَالِيُّ فَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: كُلٌّ مِنَ الدَّلِيلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُمْ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ مَوْجُودٌ، غَيْرُ صَحِيحٍ بِجَمِيعِ مُقَدِّمَاتِهِ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إِجْرَاؤُهُ فِي الْمُمْكِنِ عَلَى أَنَّ الْإِمْكَانَ مَوْجُودٌ.
[ ١ / ٢٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] أَمَّا الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ [فَبِأَنْ] يُقَالَ: الْإِمْكَانُ ثُبُوتِيٌّ ; لِأَنَّ نَقِيضَهُ لَا إِمْكَانَ، وَهُوَ سَلْبٌ، وَإِلَّا اسْتَلْزَمَ حُصُولُهُ مَحَلًّا مَوْجُودًا، فَيَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْدُومِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا الثَّانِي [فَبِأَنْ] يُقَالُ: لَا نُسَلِّمُ الْإِمْكَانَ ثُبُوتِيًّا ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَدَمِيًّا لَمْ يَكُنْ وَصْفًا ذَاتِيًّا لِلْمُمْكِنِ. فَلَوْ كَانَ صَحِيحًا بِجَمِيعِ مُقَدِّمَاتِهِ يَلْزَمُ كَوْنُ الْإِمْكَانِ ثُبُوتِيًّا، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَأَمَّا التَّفْصِيلِيُّ [فَبِأَنْ] يُقَالُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُسْنَ ثُبُوتِيٌّ. قَوْلُهُ: لِأَنَّ نَقِيضَهُ - وَهُوَ لَا حَسَنٌ - سَلْبٌ. قُلْنَا: هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِمُجَرَّدِ صُورَةِ السَّلْبِ - وَهُوَ قَوْلُنَا: " لَا حَسَنٌ " - عَلَى وُجُودِ نَقِيضِهِ، وَهُوَ قَوْلُنَا: حَسَنٌ. فَمَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُ الْحَسَنِ مَوْجُودًا، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ نَفْيُهُ - وَهُوَ لَا حَسَنٌ - مَعْدُومًا. فَلَوْ أَثْبَتْنَا وُجُودَ الْحُسْنِ، يَكُونُ سَلْبُهُ عَدَمِيًّا، يَلْزَمُ الدَّوْرُ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: مَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُ الْحُسْنِ مَوْجُودًا، لَمْ يَلْزَمْ كَوْنُ الْحُسْنِ عَدَمِيًّا ; لِأَنَّ صُورَةَ النَّفْيِ قَدْ تَكُونُ ثُبُوتِيَّةً، كَقَوْلِنَا: لَا مَعْدُومٌ، فَإِنَّ الْمَعْدُومَ الَّذِي هُوَ صُورَةُ النَّفْيِ، لَا يَكُونُ إِلَّا مَوْجُودًا.
[ ١ / ٢٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] وَقَدْ يَكُونُ مُنْقَسِمًا إِلَى الثُّبُوتِيِّ وَالْعَدَمِيِّ، كَالِامْتِنَاعِ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى الْمُمْكِنِ الْمَوْجُودِ وَيَصْدُقُ عَلَى الْمَعْدُومِ الْمُمْكِنِ. وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ صُورَةُ النَّفْيِ ثُبُوتِيَّةً أَوْ مُنْقَسِمَةً إِلَى الثُّبُوتِيِّ وَالْعَدَمِيِّ، فَمَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُ نَقِيضِهِ مَوْجُودًا لَمْ يَلْزَمْ كَوْنُهُ عَدَمِيًّا، فَلَا يُفِيدُ الِاسْتِدْلَالُ بِمُجَرَّدِ صُورَةِ النَّفْيِ كَوْنَ الْحُسْنِ مَوْجُودًا. أَقُولُ: النَّقْضُ التَّفْصِيلِيُّ الْمَذْكُورُ مُخْتَصٌّ بِالْأَوَّلِ مِنَ الدَّلِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ مَوْجُودٌ. وَأَمَّا النَّقْضُ التَّفْصِيلِيُّ لِلدَّلِيلِ الثَّانِي [فَهُوَ أَنْ] يُقَالُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُسْنَ لَوْ كَانَ عَدَمِيًّا لَمْ يَكُنْ ذَاتِيًّا لِلْفِعْلِ. قَوْلُهُ: " لِأَنَّ الْعَدَمِيَّ لَيْسَ مِنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ لِلشَّيْءِ ". قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ ; فَإِنَّ كُلَّ أَمْرٍ يَكُونُ مُقْتَضِيًا لِاتِّصَافِهِ بِنَقِيضِ مُبَايِنِهِ ; فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ مُقْتَضِيًا لِاتِّصَافِهِ بِكَوْنِهِ لَا فَرَسًا. ش - هَذَا اسْتِدْلَالٌ آخَرُ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ لَيْسَا بِذَاتِيِّينَ لِلْفِعْلِ. تَقْرِيرُهُ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ غَيْرُ مُخْتَارٍ، وَكُلُّ مَا لَيْسَ بِمُخْتَارٍ، لَا يَكُونُ حَسَنًا وَلَا قَبِيحًا لِذَاتِهِ، فَلَا يَكُونُ فِعْلُ الْعَبْدِ حَسَنًا وَلَا قَبِيحًا لِذَاتِهِ. أَمَّا الْكُبْرَى فَبِالْإِجْمَاعِ ; فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِالْحُسْنِ الْعَقْلِيِّ وَقُبْحِهِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْفِعْلَ إِنَّمَا يَكُونُ حَسَنًا أَوْ قَبِيحًا إِذَا صَدَرَ عَنِ اخْتِيَارٍ. وَالْمُصَنِّفُ قَدْ حَذَفَ الْكُبْرَى وَأَشَارَ إِلَى صِدْقِهَا بِقَوْلِهِ: " إِجْمَاعًا ". وَأَمَّا بَيَانُ الصُّغْرَى فَلِأَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ إِنْ كَانَ لَازِمًا، أَيْ لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مُتَمَكِّنًا مِنْ تَرْكِهِ، فَوَاضِحٌ كَوْنُهُ غَيْرَ مُخْتَارٍ ; لِأَنَّ مَا لَا يَتَمَكَّنُ الْعَبْدُ مِنْ تَرْكِهِ، يَكُونُ صُدُورُهُ عَنْهُ ضَرُورِيًّا، وَالضَّرُورِيُّ لَا يَكُونُ مُخْتَارًا. وَإِنْ كَانَ جَائِزًا، أَيْ يَتَمَكَّنُ الْعَبْدُ مِنْ تَرْكِهِ، فَإِنِ افْتَقَرَ إِلَى مُرَجِّحٍ عَادَ التَّقْسِيمُ فِيهِ بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْفِعْلَ مَعَ ذَلِكَ الْمُرَجِّحِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَازِمًا أَوْ جَائِزًا، فَإِنْ كَانَ لَازِمًا، ثَبَتَ كَوْنُهُ ضَرُورِيًّا، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا عَادَ التَّقْسِيمُ. فَإِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى مَا لَا يَكُونُ لَازِمًا فَيَكُونُ ضَرُورِيًّا أَوْ إِلَى مَا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى مُرَجِّحٍ فَيَكُونُ اتِّفَاقِيًّا، أَوْ يَتَسَلْسَلُ، وَهُوَ مُحَالٌ. " وَإِلَّا " أَيْ وَإِنْ لَمْ يَفْتَقِرِ الْفِعْلُ إِلَى مُرَجِّحٍ فَهُوَ اتِّفَاقِيٌّ; لِأَنَّ صُدُورَ الْفِعْلِ حِينَئِذٍ فِي زَمَانٍ دُونَ آخَرَ لَا لِمُرَجِّحٍ مَعَ إِمْكَانِ صُدُورِهِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ، يَكُونُ اتِّفَاقِيًّا. ش - ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا ضَعْفَ الِاسْتِدْلَالِ الْمَذْكُورِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ جَدَلِيَّةٍ. ثُمَّ ذَكَرَ تَحْقِيقَ الْحَقِّ فِي مُرَجِّحِ الْفِعْلِ. الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُ اسْتِدْلَالٌ عَلَى مَا عُلِمَ بُطْلَانُهُ بِالضَّرُورَةِ، فَيَكُونُ تَشْكِيكًا فِي الضَّرُورِيَّاتِ، وَالتَّشْكِيكُ فِي الضَّرُورِيَّاتِ لَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: اسْتِدْلَالٌ عَلَى مَا عُلِمَ بُطْلَانُهُ بِالضَّرُورَةِ ; لِأَنَّا نَجِدُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْأَفْعَالِ الضَّرُورِيَّةِ وَالِاخْتِيَارِيَّةِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ. فَإِنَّ الْأَفْعَالَ الضَّرُورِيَّةَ تَصْدُرُ عَنِ الْعَبْدِ، وَإِنْ أَبَى عَنْهُ، كَحَرَكَةِ الْإِنْسَانِ إِلَى أَسْفَلَ بِالْقَسْرِ. وَالِاخْتِيَارِيَّةُ لَا تَصْدُرُ عَنْهُ إِنْ أَبَى، كَحَرَكَتِهِ بِالْإِرَادَةِ فِي السُّطُوحِ الْمُسْتَوِيَةِ. فَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ غَيْرُ مُخْتَارٍ، اسْتِدْلَالٌ عَلَى مَا عُلِمَ بُطْلَانُهُ بِالضَّرُورَةِ. الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ غَيْرُ
[ ١ / ٢٩٨ ]
ص - وَهُوَ ضَعِيفٌ [فَإِنَّا] نُفَرِّقُ بَيْنَ الضَّرُورِيَّةِ وَالِاخْتِيَارِيَّةِ ضَرُورَةً. وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْبَارِي. وَأَنْ لَا يُوصَفَ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ شَرْعًا. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يَتَرَجَّحُ بِالِاخْتِيَارِ.
ص - وَعَلَى الْجِبَائِيَّةِ: لَوْ حَسُنَ الْفِعْلُ أَوْ قَبُحَ لِغَيْرِ الطَّلَبِ - لَمْ يَكُنْ تَعَلُّقُ الطَّلَبِ لِنَفْسِهِ ; لِتَوَقُّفِهِ عَلَى أَمْرٍ زَائِدٍ.
ص - وَأَيْضًا لَوْ حَسُنَ الْفِعْلُ أَوْ قَبُحَ لِذَاتِهِ أَوْ صِفَتِهِ - لَمْ يَكُنِ الْبَارِي مُخْتَارًا فِي الْحُكْمِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمَرْجُوحِ عَلَى خِلَافِ الْمَعْقُولِ، فَيَلْزَمُ الْآخَرُ، فَلَا اخْتِيَارَ.
ص - وَمِنَ السَّمْعِ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ [الإسراء: ١٥] حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا لِاسْتِلْزَامِ مَذْهَبِهِمْ خِلَافَهُ.
ص - قَالُوا: حُسْنُ الصِّدْقِ النَّافِعِ وَالْإِيمَانُ، وَقُبْحُ الْكَذِبِ الضَّارِّ وَالْكُفْرَانُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى عُرْفٍ أَوْ شَرْعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. وَالْجَوَابُ: الْمَنْعُ. [بَلْ] بِمَا ذَكَرَ.
ص - قَالُوا: إِذَا اسْتَوَيَا فِي الْمَقْصُودِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كُلِّ مُقَدَّرٍ - آثَرَ الْعَقْلُ الصِّدْقَ.
ص - وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ تَقْدِيرُ مُسْتَحِيلٍ، فَلِذَلِكَ يُسْتَبْعَدُ مَنْعُ إِيثَارِ الصِّدْقِ. وَلَوْ سَلَّمَ [فَلَا يَلْزَمُ] فِي الْغَائِبِ ; لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ تَمْكِينُ الْعَبْدِ مِنَ الْمَعَاصِي وَيَقْبُحُ مِنَّا.
ص - قَالُوا لَوْ كَانَ شَرْعِيًّا - لَزِمَ إِفْحَامُ الرُّسُلِ، فَيَقُولُ لَا أَنْظُرُ فِي مُعْجِزَتِكَ حَتَّى يَجِبَ النَّظَرُ وَيَعْكِسُ، أَوْ لَا يَجِبُ حَتَّى يُثْبِتَ الشَّرْعُ وَيَعْكِسَ.
ص - وَالْجَوَابُ أَنَّ وُجُوبَهُ عِنْدَهُمْ نَظَرِيٌّ، فَنَقُولُهُ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُوبِهِ. وَلَوْ سُلِّمَ - فَالْوُجُوبُ بِالشَّرْعِ نُظِرَ أَوْ لَمْ يُنْظَرْ، ثَبَتَ أَوْ لَمْ يَثْبُتْ.
ص - قَالُوا: لَوْ كَانَ ذَلِكَ - لَجَازَتِ الْمُعْجِزَةُ مِنَ الْكَاذِبِ، وَلَامْتَنَعَ [الْحُكْمُ] بِقُبْحِ نِسْبَةِ الْكَذِبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. قَبْلَ السَّمْعِ وَالتَّثْلِيثِ وَأَنْوَاعِ الْكُفْرِ مِنَ الْعَالَمِ [بِخِلَافِهِ] .
ص - وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَوَّلَ إِنِ امْتَنَعَ فَلِمُدْرِكٍ آخَرَ. وَالثَّانِي [مُلْتَزِمٌ] إِنْ أُرِيدَ [بِهِ] التَّحْرِيمُ الشَّرْعِيُّ.
ص - (مَسْأَلَتَانِ) عَلَى التَّنَزُّلِ.
ص - الْأُولَى: شُكْرُ الْمُنْعِمِ لَيْسَ [بِوَاجِبٍ] عَقْلًا ; لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ - لَوَجَبَ لِفَائِدَةٍ، وَإِلَّا كَانَ عَبَثًا، وَهُوَ قَبِيحٌ.
وَلَا فَائِدَةَ لِلَّهِ تَعَالَى لِتَعَالِيهِ عَنْهَا.
_________________
(١) [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٣٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] مُخْتَارٍ، صَحِيحًا، لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ مُخْتَارٍ ; لِأَنَّ التَّرْدِيدَ الْمَذْكُورَ يَطَّرِدُ فِيهِ، بِأَنْ يُقَالَ: فِعْلُهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَازِمًا أَوْ جَائِزًا. وَالْأَوَّلُ يَكُونُ ضَرُورِيًّا، وَالثَّانِي إِنِ افْتَقَرَ إِلَى مُرَجِّحٍ عَادَ التَّقْسِيمُ فِيهِ، وَإِلَّا فَهُوَ اتِّفَاقِيٌّ. لَكِنَّ فِعْلَ اللَّهِ تَعَالَى بِالِاخْتِيَارِ اتِّفَاقًا، فَلَا يَكُونُ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ صَحِيحًا. الثَّالِثُ: أَنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ لَوْ كَانَ صَحِيحًا، لَزِمَ أَنْ لَا يُوصَفَ فِعْلُ الْعَبْدِ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ شَرْعًا ; لِأَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ غَيْرُ مُخْتَارٍ لِمَا ذَكَرْتُمْ، وَغَيْرُ الْمُخْتَارِ لَا يَتَّصِفُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ شَرْعًا بِالْإِجْمَاعِ. اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ نَقْضٌ إِجْمَالِيٌّ لِلِاسْتِدْلَالِ الْمَذْكُورِ. ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ جَائِزٌ صُدُورُهُ عَنْهُ وَلَا صُدُورُهُ، نَظَرًا إِلَى ذَاتِ الْفِعْلِ، وَتَرْجِيحُ صُدُورِهِ عَلَى لَا صُدُورِهِ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ وَعِنْدَ تَعَلُّقِ اخْتِيَارِهِ بِالْفِعْلِ يَكُونُ لَازِمًا. وَاللُّزُومُ بِاخْتِيَارِهِ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْفِعْلِ مُخْتَارًا ; لِأَنَّ لُزُومَ صُدُورِ الْفِعْلِ عَنِ الْعَبْدِ بِشَرْطِ تَعَلُّقِ الِاخْتِيَارِ بِهِ، لَا يُنَافِي كَوْنَهُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ. ش - لَمَّا ذَكَرَ إِبْطَالَ الْمَذْهَبَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ لِلْمُعْتَزِلَةِ، شَرَعَ فِي إِبْطَالِ مَذْهَبِ الْجِبَائِيَّةِ.
[ ١ / ٣٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ حُسْنُ الْفِعْلِ وَقُبْحُهُ لِغَيْرِ نَفْسِ الطَّلَبِ، مِنَ الْوُجُوهِ وَالِاعْتِبَارَاتِ الْعَارِضَةِ لِلْفِعْلِ بِالْقِيَاسِ إِلَى غَيْرِهِ، لَمْ يَكُنْ تَعَلُّقُ طَلَبِ الْفِعْلِ لِنَفْسِ الْفِعْلِ، بَلِ التَّعَلُّقُ لِأَجْلِ ذَلِكَ الِاعْتِبَارِ ; لِأَنَّ التَّعَلُّقَ حِينَئِذٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُصُولِ ذَلِكَ الِاعْتِبَارِ الزَّائِدِ عَلَى الْفِعْلِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ، فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. أَمَّا بَيَانُ بُطْلَانِ التَّالِي فَلِأَنَّ التَّعَلُّقَ نِسْبَةٌ بَيْنَ الطَّلَبِ وَالْفِعْلِ، وَالنِّسْبَةُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ لَا يَتَوَقَّفُ إِلَّا عَلَى حُصُولِهِمَا. وَالطَّلَبُ قَدِيمٌ. فَإِذَا حَصَلَ الْفِعْلُ تَعَلَّقَ الطَّلَبُ بِهِ، سَوَاءٌ عَرَضَ ذَلِكَ الِاعْتِبَارُ لِلْفِعْلِ أَوْ لَمْ يَعْرِضْ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ التَّالِي، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الطَّلَبِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ إِلَّا عَلَى الطَّلَبِ وَالْفِعْلِ، لَكِنَّ نَفْسَ الطَّلَبِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الِاعْتِبَارِ الْحَاصِلِ لِلْفِعْلِ الْمُوجِبِ لِلْحُسْنِ أَوِ الْقُبْحِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الطَّلَبَ، أَعْنِي الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ قَدِيمٌ قَائِمٌ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا بَيَّنَ فِي الْكَلَامِ. وَالْجِهَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْحُسْنِ أَوِ الْقُبْحِ حَادِثَةٌ، فَكَيْفَ يَصِحُّ تَوَقُّفُ الْقَدِيمِ عَلَى الْحَادِثِ. بَلِ التَّوَقُّفُ إِمَّا يَكُونُ لِلتَّعَلُّقِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْجِهَةِ مُوجِبَةً لِلْحُسْنِ ; لِأَنَّهُ مَا لَمْ تَكُنِ الْجِهَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْحُسْنِ، لَمْ يَحْصُلْ تَعَلُّقُ الطَّلَبِ بِهِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الطَّلَبَ يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ، حَتَّى يَلْزَمَ أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ التَّعَلُّقُ إِلَّا عَلَى الطَّلَبِ وَالْفِعْلِ. لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الطَّلَبُ يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ إِذَا كَانَ عَلَى الْجِهَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُسْنِ.
[ ١ / ٣٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] فَيَكُونُ التَّعَلُّقُ الَّذِي هُوَ [نِسْبَةٌ] يَتَوَقَّفُ عَلَى الْفِعْلِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْجِهَةِ الْمَذْكُورَةِ. فَمَا لَمْ يُوجَدْ تِلْكَ الْجِهَةُ لَمْ يَحْصُلْ تَعَلُّقُ الطَّلَبِ بِالْفِعْلِ. ش - لَمَّا ذَكَرَ عَلَى إِبْطَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَذْهَبَيْنِ دَلِيلًا أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ دَلِيلًا مُتَنَاوِلًا لِإِبْطَالِ مَذْهَبِهِمْ جَمِيعًا. فَقَالَ: لَوْ حَسُنَ الْفِعْلُ أَوْ قَبُحَ لِذَاتِهِ، أَوْ لِصِفَةٍ لَهُ لَازِمَةٍ، أَوِ اعْتِبَارِيَّةٍ عَارِضَةٍ، لَمْ يَكُنِ الْبَارِي تَعَالَى مُخْتَارًا فِي الْحُكْمِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْفِعْلَ الْحَسَنَ يَكُونُ حِينَئِذٍ رَاجِحًا عَلَى الْقَبِيحِ فِي أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا لِحُكْمِ الْوُجُوبِ، وَالْفِعْلُ الْقَبِيحُ يَكُونُ رَاجِحًا عَلَى الْحُسْنِ فِي أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا لِحُكْمِ التَّحْرِيمِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِمَا هُوَ غَيْرُ رَاجِحٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، أَوْ مُتَعَلِّقًا بِمَا هُوَ رَاجِحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ. وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، وَإِلَّا يَلْزَمُ تَرْجِيحُ الْمَرْجُوحِ، وَهُوَ خِلَافٌ صَرِيحُ الْحُكْمِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَا هُوَ رَاجِحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ. وَإِذَا كَانَ تُعَلُّقُ الْحُكْمِ بِالرَّاجِحِ ضَرُورِيًّا لَمْ يَكُنْ مُخْتَارًا فِي حُكْمِهِ.
[ ١ / ٣٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] فَإِنْ قِيلَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِمَا هُوَ رَاجِحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، أَنْ لَا يَكُونُ الْحُكْمُ اخْتِيَارِيًّا ; فَإِنَّ الْمُخْتَارَ الْحَكِيمَ يَخْتَارُ مَا يَكُونُ عَلَى وَفْقِ الْحِكْمَةِ. أُجِيبَ بِأَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُعَلَّلُ بِالْحِكَمِ وَالْأَغْرَاضِ، كَمَا بَيَّنَ فِي الْكَلَامِ. ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْأَصْحَابِ عَلَى نَفْيِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، مَأْخُوذٌ مِنَ السَّمْعِ. تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ [الإسراء: ١٥] حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا يَقْتَضِي نَفْيَ التَّعْذِيبِ بِمُبَاشَرَةِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَتَرْكِ بَعْضِهَا قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ إِلَى غَايَةِ الْبَعْثَةِ. وَمَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ يَسْتَلْزِمُ تَعْذِيبَ تَارِكِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَمُبَاشَرَةِ بَعْضِهَا قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ ; لِأَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ عَلَى مَذْهَبِهِمْ يَتَحَقَّقُ قَبْلَ الْبَعْثَةِ. وَالْحُسْنُ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِهِ وَاجِبًا، وَالْقُبْحُ فِي بَعْضِهَا مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِهِ حَرَامًا، فَيَكُونُ بَعْضُ الْأَفْعَالِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَاجِبًا وَبَعْضُهَا حَرَامًا. فَمَنْ تَرَكَ الْبَعْضَ الْوَاجِبَ أَوْ بَاشَرَ الْبَعْضَ الْمُحَرَّمَ عُذِّبَ ; لِأَنَّ
[ ١ / ٣٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] الْوَاجِبَ: مَا يَسْتَحِقُّ تَارِكُهُ الْعَذَابَ، وَالْحَرَامُ: مَا يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الْعَذَابَ. فَالتَّعْذِيبُ بِمُبَاشَرَةِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَتَرْكِ بَعْضِهَا قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ لَازِمٌ لِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَهُوَ مُنَافٍ لِمُقْتَضَى الْآيَةِ، فَيَكُونُ مَذْهَبُهُمْ مُسْتَلْزِمًا لِخِلَافِ مُقْتَضَى الْآيَةِ، أَيْ لِمَنَافِيهِ. وَإِذَا كَانَ اللَّازِمُ مُنَافِيًا لِشَيْءٍ يَكُونُ الْمَلْزُومُ مُنَافِيًا لَهُ، فَيَكُونُ مَذْهَبُهُمْ مُنَافِيًا لِمُقْتَضَى الْآيَةِ. وَمُقْتَضَى الْآيَةِ ثَابِتٌ فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ مَذْهَبِهِمْ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّعْذِيبَ بِمُبَاشَرَةِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَتَرْكِ بَعْضِهَا لَازِمٌ لِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ، بَلِ اسْتِحْقَاقُ التَّعْذِيبِ بِمُبَاشَرَةِ بَعْضِهَا وَتَرْكِ بَعْضِهَا يَكُونُ لَازِمًا لِمَذْهَبِهِمْ، وَاسْتِحْقَاقُ التَّعْذِيبِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْعَذَابَ ; لِجَوَازِ الْعَفْوِ، فَلَا يَكُونُ مَذْهَبُهُمْ مُسْتَلْزِمًا لِمَا هُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْآيَةِ. أُجِيبَ بِأَنَّ مَذْهَبَ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ تَعْذِيبَ الْعَبْدِ عَلَى ارْتِكَابِ الصَّغَائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وَعَلَى الْكَبَائِرِ بَعْدَهَا وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَيَكُونُ التَّعْذِيبُ لَازِمًا لِاسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ. ش - هَذَا دَلِيلُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ ذَاتِيَّيْنِ لِلْفِعْلِ.
[ ١ / ٣٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: حُسْنُ الصِّدْقِ النَّافِعِ وَالْإِيمَانُ وَقُبْحُ الْكَذِبِ الضَّارِّ وَالْكُفْرَانُ مَعْلُومٌ [بِالضَّرُورَةِ] لِكُلِّ عَاقِلٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى عُرْفٍ أَوْ شَرْعٍ، أَوْ بُرْهَانٍ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حُسْنُ هَذِهِ الْأُمُورِ وَقُبْحُهَا ذَاتِيَّيْنِ لَهَا، لَمَا كَانَ كَذَلِكَ وَإِذَا كَانَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ ذَاتِيَّيْنِ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَا ذَاتِيَّيْنِ لِجَمِيعِهَا ; إِذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ. وَتَوْجِيهُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، بَلْ عَدَمُ حُسْنِ هَذِهِ الْأُمُورِ وَقُبْحِهَا بِمَا ذَكَرَ، أَيِ الْعُرْفِ، أَوِ الشَّرْعِ، أَوِ الْبُرْهَانِ. لِأَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا أَنْفُسَنَا خَالِيَةً عَنْ مُوجِبَاتِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ وَالْبُرْهَانِ، وَعَرَضْنَا هَذِهِ الْأُمُورَ عَلَى أَنْفُسِنَا، لَمْ يَحْصُلْ لَنَا جَزْمٌ بِحُسْنِ هَذِهِ الْأُمُورِ وَلَا بِقُبْحِهَا. ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ ذَاتِيَّانِ لِلْفِعْلِ. وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا اسْتَوَيَا، أَيِ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ فِي الْمَقْصُودِ، أَيْ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا لِغَرَضِ الْعَاقِلِ بِحَيْثُ لَا يَخْتَلِفَانِ إِلَّا بِكَوْنِ أَحَدِهِمَا صِدْقًا وَالْآخَرِ كَذِبًا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ
[ ١ / ٣٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] عَنْ كُلِّ مُقَدَّرٍ مِنْ شَرْعٍ أَوْ عُرْفٍ أَوْ بُرْهَانٍ آثَرَ الْعَقْلُ الصِّدْقَ. فَلَوْلَا أَنَّ الصِّدْقَ لِذَاتِهِ يَقْتَضِي الْحُسْنَ لَمَا آثَرَهُ الْعَقْلُ. ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ تَقْدِيرَ اسْتِوَاءِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِي الْمَقْصُودِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْغَيْرِ تَقْدِيرُ مُسْتَحِيلٍ ; لِأَنَّ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ مُتَنَافِيَانِ. وَمِنَ الْمُحَالِ تَسَاوِي الْمُتَنَافِيَيْنِ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ. فَلِذَلِكَ، أَيْ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ الْمُسْتَحِيلِ يَسْتَبْعِدُ الْعَقْلُ مَنْعَ إِيثَارِ الصِّدْقِ، [لَا يَلْزَمُ] مِنِ اسْتِبْعَادِ الْعَقْلِ مَنْعُ إِيثَارِ الصِّدْقِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ اسْتِبْعَادُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ وَاقِعًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ مُمْكِنٌ. فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى حُسْنِ الصِّدْقِ فِي حَقِّ الشَّاهِدِ، فَلَا نُسَلِّمُ حُسْنَهُ فِي حَقِّ الْغَائِبِ ; إِذْ لَا يُسْتَبْعَدُ مِنْهُ إِيثَارُ الصِّدْقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْغَائِبِ. وَالنِّزَاعُ إِنَّمَا وَقَعَ فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ لِلْأَفْعَالِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحْكَامِ اللَّهِ، وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُ حُسْنِ
[ ١ / ٣٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] الصِّدْقِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، الَّذِي هُوَ الْغَائِبُ، عَلَى حُسْنِ الصِّدْقِ فِي الشَّاهِدِ. فَإِنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّهُ لَا يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى تَمْكِينُ الْعَبْدِ مِنَ الْمَعَاصِي ; لِأَنَّهُ وَاقِعٌ، وَلَوْ كَانَ قَبِيحًا لَمْ يَقَعْ ; لِامْتِنَاعِ صُدُورِ الْقَبِيحِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَقْبُحُ مِنَّا تَمْكِينُ الْغَيْرِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ. وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ قَبِيحًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا، غَيْرَ قَبِيحٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لَمْ يُمْكِنْ قِيَاسُ حُسْنِ الصِّدْقِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى حُسْنِهِ فِي حَقِّنَا. ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ غَيْرُ شَرْعِيَّيْنِ. وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ لَوْ كَانَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ شَرْعِيَّيْنِ لَزِمَ إِفْحَامُ الرُّسُلِ أَيْ عَدَمُ تَمَكُّنِهِمْ مِنْ إِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الرَّسُولَ إِذَا ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَأَظْهَرَ الْمُعْجِزَةَ وَقَالَ لِلْمُعَانِدِ: انْظُرْ فِي مُعْجِزَتِي حَتَّى يَظْهَرَ لَكَ صِدْقُ دَعْوَايَ. فَيَقُولُ الْمُعَانِدُ: لَا أَنْظُرُ فِي مُعْجِزَتِكَ حَتَّى يَجِبَ النَّظَرُ عَلَيَّ فِي مُعْجِزَتِكَ. وَيَعْكِسُ أَيْ وَيَعْكِسُ الْمُعَانِدُ وَيَقُولُ: وَلَا يَجِبُ النَّظَرُ عَلَيَّ
[ ١ / ٣٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] إِلَّا بِنَظَرِي فِي مُعْجِزَتِكَ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ وُجُوبُ النَّظَرِ شَرْعِيًّا، فَيَتَوَقَّفُ وُجُوبُ النَّظَرِ عَلَى ثُبُوتِ الشَّرْعِ، وَثُبُوتُ الشَّرْعِ عَلَى ثُبُوتِ دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ فِي دَعْوَاهُ، وَثُبُوتُ دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ يَتَوَقَّفُ عَلَى النَّظَرِ فِي الْمُعْجِزَةِ. وَحِينَئِذٍ يَقُولُ: لَا أَنْظُرُ فِي مُعْجِزَتِكَ لِئَلَّا يَثْبُتَ نُبُوَّتُكَ، فَلَا يَتَمَكَّنُ الرَّسُولُ مِنْ إِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ فَيَلْزَمُ الْإِفْحَامُ. أَوْ يَقُولُ الْمُعَانِدُ: لَا أَنْظُرُ فِي مُعْجِزَتِكَ حَتَّى يَجِبَ النَّظَرُ عَلَيَّ وَلَا يَجِبَ عَلَيَّ النَّظَرُ فِي مُعْجِزَتِكَ حَتَّى يُثْبِتَ الشَّرْعُ ضَرُورَةَ تَوَقُّفِ الْوُجُوبِ عَلَى الشَّرْعِ حِينَئِذٍ وَيَعْكِسُ الْمُعَانِدُ وَيَقُولُ: وَلَا يُثْبِتُ الشَّرْعُ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيَّ النَّظَرُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِنَظَرِي فِي مُعْجِزَتِكَ، وَلَا أَنْظُرُ فِيهَا مَا لَمْ يَجِبِ النَّظَرُ فَيَلْزَمُ الْإِفْحَامُ أَيْضًا. ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا بِأَنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ أَيْ يَلْزَمُ مِنْهُ إِفْحَامُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ عَقْلِيَّيْنِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ وُجُوبَ النَّظَرِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ نَظَرِيٌّ، لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، فَحِينَئِذٍ يَقُولُ الْمُعَانِدُ لِلنَّبِيِّ: لَا أَنْظُرُ فِي
[ ١ / ٣٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] مُعْجِزَتِكَ حَتَّى يَجِبَ عَلَيَّ النَّظَرُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيَّ النَّظَرُ فِي مُعْجِزَتِكَ إِلَّا بِنَظَرِي، فَلَا أَنْظُرُ لِئَلَّا يَجِبَ عَلَيَّ النَّظَرُ. فَيَلْزَمُ الْإِفْحَامُ. وَكُلَّمَا تَجْعَلُ الْمُعْتَزِلَةُ جَوَابًا عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ جَوَابُنَا عَمَّا ذَكَرُوهُ. وَثَانِيًا: بِأَنَّ النَّظَرَ فِي الْمُعْجِزَةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُوبِ النَّظَرِ ; لِإِمْكَانِ أَنْ يَنْظُرَ الْعَاقِلُ قَبْلَ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِهِ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ النَّظَرَ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُوبِ النَّظَرِ، فَوُجُوبُ النَّظَرِ إِنَّمَا يَكُونُ بِالشَّرْعِ عِنْدَنَا، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَظَرِ الْعَاقِلِ فِي الْمُعْجِزَةِ. فَوُجُوبُ النَّظَرِ عَلَى الْعَاقِلِ مُتَحَقِّقٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، سَوَاءٌ نَظَرَ أَوْ لَمْ يَنْظُرْ، ثَبَتَ الشَّرْعُ عِنْدَهُ أَوْ لَمْ يَثْبُتْ وَلَا امْتِنَاعَ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ تَكْلِيفٌ لِلْغَافِلِ عَنْ وُجُوبِ الْمُكَلَّفِ بِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِلضَّرُورَةِ. فَإِنْ قِيلَ عَلَى الْأَوَّلِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِلْزَامَ مُشْتَرَكٌ ; فَإِنَّ وُجُوبَ النَّظَرِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَإِنْ كَانَ نَظَرِيًّا لَكِنْ مِنَ النَّظَرِيَّاتِ الْجَلِيَّةِ الَّتِي تُسَمَّى نَظَرِيَّةَ الْقِيَاسِ ; فَإِنَّ النَّظَرَ يَحْصُلُ بِهِ دَفْعُ الضَّرَرِ، وَكُلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ دَفْعُ الضَّرَرِ فَهُوَ وَاجِبٌ، فَهَاتَانِ الْمُقَدِّمَتَانِ قَطْعِيَّتَانِ، وَانْسِيَاقُ الذِّهْنِ مِنْهَا إِلَى النَّتِيجَةِ انْسِيَاقٌ طَبِيعِيٌّ، فَهُوَ وَاضِحٌ يَجْرِي مَجْرَى الضَّرُورِيَّاتِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْعِلْمَ بِوُجُوبِ النَّظَرِ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ فِي الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ يُفِيدُ الْعِلْمَ. وَذَلِكَ لَيْسَ بِجَلِيٍّ بَلْ خَفِيٌّ. وَلِذَلِكَ اخْتُلِفَ فِي [أَنَّ] النَّظَرَ فِي الْإِلَهِيَّةِ يُفِيدُ الْعِلْمَ أَوِ الظَّنَّ.
[ ١ / ٣١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أَنَّ النَّظَرَ يُفِيدُ الْعِلْمَ، إِنَّمَا يَجِبُ أَنْ لَوْ عُرِفَ أَنَّ غَيْرَ النَّظَرِ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي إِفَادَةِ الْعِلْمِ. وَذَلِكَ مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِالنَّظَرِ الدَّقِيقِ. وَإِذَا كَانَ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ النَّظَرِ مَوْقُوفًا عَلَى ذَيْنِكَ الْمَقَامَيْنِ النَّظَرِيَّيْنِ، فَالْحُكْمُ بِكَوْنِهِ مِنَ النَّظَرِيَّاتِ الْجَلِيَّةِ مِنْ قَبِيلِ الْمُكَابَرَةِ. ش - قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ لَيْسَا بِشَرْعِيَّيْنِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا شَرْعِيَّيْنِ لَجَازَ ظُهُورُ الْمُعْجِزَةِ مِنَ الْكَاذِبِ. وَالتَّالِي ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَا شَرْعِيَّيْنِ لَحَسُنَ مِنَ اللَّهِ كُلُّ شَيْءٍ، وَلَوْ حَسُنَ مِنَ اللَّهِ كُلُّ شَيْءٍ لِحَسُنَ مِنْهُ إِظْهَارُ الْمُعْجِزَةِ عَلَى يَدِ الْكَاذِبِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَظْهَرَ الْمُعْجِزَةُ مِنْهُ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَا شَرْعِيَّيْنِ لَامْتَنَعَ الْحُكْمُ مِنَ الْعَالَمِ قَبْلَ ظُهُورِ
[ ١ / ٣١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] الشَّرْعِ بِقُبْحِ نِسْبَةِ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَبِقُبْحِ التَّثْلِيثِ، وَبِقُبْحِ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ مِنَ الْعَالِمِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّهُ لَا مَجَالَ لِحُكْمِ الْعَقْلِ حِينَئِذٍ وَلَمْ تَظْهَرِ الشَّرِيعَةُ بَعْدُ. وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي فَلِأَنَّ الْعُقَلَاءَ يَحْكُمُونَ بِقُبْحِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأُمُورِ. ش - أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنِ الْأَوَّلِ: بِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِالْجَوَازِ، الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ إِظْهَارُ الْمُعْجِزَةِ عَلَى يَدِ الْكَاذِبِ امْتِنَاعًا ذَاتِيًّا، فَلَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ التَّالِي ; فَإِنَّ إِظْهَارَ الْمُعْجِزَةِ عَلَى يَدِ الْكَاذِبِ لَا يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِالْجَوَازِ، الْجَوَازُ بِحَسَبِ الْعَادَةِ فَلَا نُسَلِّمُ صِدْقَ الْمُلَازَمَةِ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ شَرْعِيَّيْنِ، وَامْتِنَاعُ إِظْهَارِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى يَدِ الْكَاذِبِ يُدْرَكُ بِمُدْرَكٍ آخَرَ غَيْرِ الْقُبْحِ الذَّاتِيِّ. وَذَلِكَ لِأَنَّا نَعْلَمُ امْتِنَاعَ الْمُعْجِزَةِ عَلَى يَدِ الْكَاذِبِ بِالْعَادَةِ.
[ ١ / ٣١٢ ]