. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] وَقَالَ الْبَاقُونَ: نَعَمْ. وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَسَدَ يُسْتَعْمَلُ لِلشُّجَاعِ، وَالْحِمَارَ لِلْبَلِيدِ، وَشَابَتْ لُمَّةُ اللَّيْلِ لِظُهُورِ الصُّبْحِ. فَاسْتِعْمَالُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي إِمَّا بِطْرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَوْ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ ; إِذْ لَا قَائِلَ بِالْفَصْلِ. وَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعَانٍ أُخَرَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ. فَلَوْ كَانَ اسْتِعْمَالُهَا فِي هَذِهِ الْمَعَانِي بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَيْضًا، يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ. فَإِنْ قِيلَ: الْمَجَازُ أَيْضًا خِلَافُ الْأَصْلِ. أُجِيبَ: بِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ لِمَا مَرَّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ حَقِيقَةً فِي هَذِهِ الْمَعَانِي، لَكَانَتْ سَابِقَةً إِلَى الْفَهْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ، إِنْ كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْغَيْرِ مَجَازًا. أَوْ لَمْ يَسْبِقِ الْغَيْرُ إِلَى الْفَهْمِ، إِنْ كَانَتْ حَقِيقَةً فِيهِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ ; لِأَنَّ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ يَتَبَادَرُ الذِّهْنُ إِلَى الْفَهْمِ. ش - قَالَ الْمُخَالِفُ، أَيِ الْأُسْتَاذُ: لَوْ كَانَ الْمَجَازُ وَاقِعًا لَاخْتَلَّ التَّفَاهُمُ وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا أُطْلِقَ وَأُرِيدَ [بِهِ] مَفْهُومُهُ الْمَجَازِيُّ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ قَرِينَةٌ تُشْعِرُ بِأَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ، أَوْ لَا]) . فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَيَجُوزُ أَنْ يَذْهَلَ الْمُخَاطَبُ عَنِ الْقَرِينَةِ فَلَا يَفْهَمَ الْمُرَادَ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَلْزَمُ الِاخْتِلَالُ ; لِأَنَّهُ إِذَا تَجَرَّدَ عَنِ الْقَرِينَةِ، يَتَبَادَرُ الْمَفْهُومُ الْحَقِيقِيُّ إِلَى الذِّهْنِ، وَهُوَ غَيْرُ الْمُرَادِ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ يَدُلُّ عَلَى اسْتِبْعَادِ وُقُوعِ الْمَجَازِ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ إِمَّا الِاخْتِلَالُ أَوْ جَوَازُ عَدَمِ فَهْمِ الْمُرَادِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِهِ. [وقوع المجاز في القرآن] ش - الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي أَنَّ الْمَجَازَ - عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِهِ فِي اللُّغَةِ - هَلْ هُوَ وَاقِعٌ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ الظَّاهِرِيُّونَ، أَعْنِي الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْقُرْآنَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلَا يُؤَوِّلُونَهُ أَصْلًا: لَا. وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ: نَعَمْ. وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ " وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ " لِلْحَالِ. وَالْجُمْلَةُ الْمَذْكُورَةُ بَعْدَهَا حَالٌ عَنِ الضَّمِيرِ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " وَاقِعٌ " فِي قَوْلِهِ: " الْمَجَازُ وَاقِعٌ " وَالْعَامِلُ اسْمُ الْفَاعِلِ. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى وُقُوعِهِ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] مَجَازٌ ; لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ أَوَّلًا لِنَفْيِ مِثْلِ مِثْلِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَأُرِيدَ هَهُنَا نَفْيُ الْمِثْلِ، وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلِ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ بَيَانُ تَفَرُّدِهِ فِي ذَاتِهِ، وَنَفْيُ الْمِثْلِ عَنْهُ. لِأَنَّ نَفْيَ مِثْلِ الْمِثْلِ لَا يُوجِبُ نَفْيَ الْمِثْلِ. بَلْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ نَفْيُ مِثْلِ الْمِثْلِ يَلْزَمُ الْمُحَالُ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ نَفْيُهُ. تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ; لِأَنَّهُ تَعَالَى مَثَّلَ لِمِثْلِهِ. لَا يُقَالُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ تَعَالَى مَثَّلَ لِمِثْلِهِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ بِكَوْنِهِ مَثَلًا لِمِثْلِهِ، إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ ثُبُوتِ مِثْلِهِ، وَثُبُوتُ مِثْلِهِ مُحَالٌ. لِأَنَّا نَقُولُ: ثُبُوتُ
[ ١ / ٢٣١ ]
ص - (مَسْأَلَةٌ): وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ. خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ. بِدَلِيلِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ﴿سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] . وَهُوَ كَثِيرٌ.
_________________
(١) [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٢٣٢ ]
ص - قَالُوا: الْمَجَازُ كَذِبٌ ; لِأَنَّهُ يَنْتَفِي فَيَصْدُقُ. قُلْنَا: إِنَّمَا يَكْذِبُ إِذَا كَانَا مَعًا لِلْحَقِيقَةِ.
ص - قَالُوا: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْبَارِي - تَعَالَى - مُتَجَوِّزًا. قُلْنَا: مِثْلُهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِذْنِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ): فِي الْقُرْآنِ [مُعَرَّبٌ،] وَهُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ، ﵃. وَنَفَاهُ الْأَكْثَرُونَ.
_________________
(١) [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٢٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] مِثْلِ الْمِثْلِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ الْمِثْلِ فِي الْخَارِجِ، بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ مِثْلِهِ فِي الذِّهْنِ. وَالْحُقُّ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الْمِثْلِ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ إِذَا انْتَفَى مِثْلُ الْمِثْلِ يَلْزَمُ مِنْهُ انْتِفَاءُ الْمِثْلِ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ الْمِثْلُ فِي الْجُمْلَةِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ - ﷾ - مِثْلَ مِثْلِهِ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّ مِثْلَ مِثْلِهِ مُنْتَفٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] مَجَازٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْقَرْيَةِ أَهْلُهَا ; لِامْتِنَاعِ السُّؤَالِ مِنَ الْقَرْيَةِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧] مَجَازٌ، لِأَنَّ الْإِرَادَةَ صِفَةٌ لِذِي شُعُورٍ، وَقَدْ أُرِيدَ بِهَا هَهُنَا الْمَيْلُ الْقَائِمُ بِالْجِدَارِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ; فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الِاعْتِدَاءَ عَلَى الْقِصَاصِ، وَالِاعْتِدَاءُ ضِدُّ الْقِصَاصِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ سَبَبُ الْقِصَاصِ. فَعَلَى الْأَوَّلِ تَكُونُ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ ضِدِّهِ، وَعَلَى الثَّانِي بِاسْمِ سَبَبِهِ.
[ ١ / ٢٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: ٤٠] ; فَإِنَّهُ أَطْلَقَ السَّيِّئَةَ عَلَى جَزَاءِ السَّيِّئَةِ. وَجَزَاءُ السَّيِّئَةِ حَسَنَةٌ. فَثَبَتَ أَنَّ الْمَجَازَ وَاقِعٌ فِي الْقُرْآنِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا أَطْلَقَ الِاعْتِدَاءَ عَلَى الْقِصَاصِ لِأَنَّهُ مُشَابِهٌ لِلِاعْتِدَاءِ فِي الصُّورَةِ، فَيَكُونُ تَسْمِيَةَ الشَّيْءِ بِاسْمِ مُشَابِهِهِ. وَالْقَرِينَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: " ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى﴾ [البقرة: ١٩٤] ". فَإِنَّ الْمِثْلَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِاعْتِبَارِ الْمُشَابَهَةِ (فِي الصُّورَةِ)] ٢) . ش - الظَّاهِرِيُّونَ قَالُوا: الْمَجَازُ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الْقُرْآنِ ; لِأَنَّ الْمَجَازَ كَذِبٌ، وَالْكَذِبُ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِجْمَاعِ. بَيَانُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَجَازَ يَصِحُّ نَفْيُهُ فَيَصْدُقُ الْمَنْفِيُّ، كَقَوْلِنَا: الْبَلِيدُ لَيْسَ بِحِمَارٍ. وَإِذَا صَدَقَ الْمَنْفِيُّ كَذَبَ الْمُثْبَتُ، وَهُوَ الْمَجَازُ. كَقَوْلِنَا: الْبَلِيدُ حِمَارٌ ; ضَرُورَةَ صِدْقِ نَقِيضِهِ. أَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَجَازَ إِنَّمَا يَكْذِبُ عَلَى تَقْرِيرِ صِدْقِ الْمَنْفِيِّ أَنْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْمَنْفِيِّ وَالْمُثْبَتِ مَعًا هُوَ الْمَفْهُومُ الْحَقِيقِيُّ.
[ ١ / ٢٣٥ ]