. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] وَلَمَّا فَرَغَ عَنْ ذِكْرِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ لِلْمُفْرَدِ، شَرَعَ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِهَا، وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ. اثْنَتَانِ مِنْهَا مُتَعَلِّقَتَانِ بِالْمُشْتَرَكِ. إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ هَلْ يَكُونُ وَاقِعًا فِي اللُّغَةِ أَمْ لَا؟ وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ هَلْ يَكُونُ وَاقِعًا فِي الْقُرْآنِ عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِهِ فِي اللُّغَةِ أَمْ لَا؟ [الْمُشْتَرَكُ] [وقوع المشترك] ش - الْمُشْتَرَكُ هُوَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الْمَوْضُوعُ لِعِدَّةِ مَعَانٍ وَضْعًا أَوَّلًا. فَقَوْلُهُ: اللَّفْظُ، كَالْجِنْسِ لِلْمُشْتَرَكِ وَغَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ: الْوَاحِدُ الْمَوْضُوعُ لِعِدَّةِ مَعَانٍ، يُخْرِجُ عَنْهُ الْأَلْفَاظَ الْمُتَبَايِنَةَ وَالْمُتَوَاطِئَةَ وَالْمُشَكِّكَةَ ; لِأَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ لِعِدَّةِ مَعَانٍ، بَلْ لِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْأَفْرَادِ. وَقَوْلُهُ: وَضْعًا أَوَّلًا، يُخْرِجُ عَنْهُ الْأَلْفَاظَ الْمَنْقُولَةَ وَالْمَجَازِيَّةَ ; فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مَوْضُوعَةً لِعِدَّةِ مَعَانٍ وَلَكِنْ لَا وَضْعًا أَوَّلًا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مُمْكِنًا أَوْ مُمْتَنِعًا. وَالْمُمْكِنُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا أَوَّلًا. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ احْتِمَالَاتٍ: وَقَالَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا قَائِلٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ مُمْكِنًا وَاقِعًا وَبَيْنَ كَوْنِهِ وَاجِبًا عِنْدَ التَّحْقِيقِ.
[ ١ / ١٦١ ]
الْمُشْتَرَكُ ص - (مَسْأَلَةٌ): الْمُشْتَرَكُ وَاقِعٌ عَلَى الْأَصَحِّ. لَنَا أَنَّ الْقُرْءَ لِلطُّهْرِ وَالْحَيْضِ مَعًا عَلَى الْبَدَلِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ.
ص - وَاسْتَدَلَّ: لَوْ لَمْ يَكُنْ - لَخَلَتْ أَكْثَرُ الْمُسَمَّيَاتِ ; لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ.
ص - وَأُجِيبَ بِمَنْعِ ذَلِكَ فِي الْمُخْتَلِفَةِ وَالْمُتَضَادَّةِ. وَلَا يُفِيدُ فِي غَيْرِهَا. وَلَوْ سُلِّمَ فَالْمُتَعَقِّلُ مُتَنَاهٍ.
_________________
(١) [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ١٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوُجُوبَ هَهُنَا هُوَ الْوُجُوبُ بِالْغَيْرِ، إِذْ لَا مَعْنَى لِلْوُجُوبِ بِالذَّاتِ أَصْلًا، وَالْمُمْكِنُ الْوَاقِعُ هُوَ الْوَاجِبُ بِالْغَيْرِ ; لِأَنَّ الْمُمْكِنَ، مَا لَمْ يَجِبْ صُدُورُهُ عَنِ الْغَيْرِ، لَا يَقَعُ فَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا. وَكَذَا بَيْنَ الْمُمْكِنِ الْغَيْرِ الْوَاقِعِ وَالْمُمْتَنِعِ، كَمِثْلِ مَا ذَكَرْنَا. فَتَكُونُ الِاحْتِمَالَاتُ الْأَرْبَعَةُ رَاجِعَةً إِلَى الْوُقُوعِ وَإِلَى عَدَمِهِ. فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَنِّفُ إِلَّا لَهُمَا وَذَكَرَ دَلِيلَ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ عَلَى الْوُقُوعِ. وَقَدْ عُلِمَ بِاسْتِقْرَاءِ كَلَامِهِ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ يُشِيرُ بِلَفْظِ " لَنَا " إِلَى الدَّلِيلِ الصَّحِيحِ عَلَى مَطْلُوبِهِ. وَبِلَفْظِ " اسْتَدَلَّ " إِلَى الدَّلِيلِ الْفَاسِدِ عَلَى مَطْلُوبِهِ ; وَبِلَفْظِ " قَالُوا " إِلَى دَلِيلِ الْمَذْهَبِ الْبَاطِلِ.
[ ١ / ١٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ وَاقِعٌ، فَلِهَذَا قَالَ " لَنَا ". وَتَقْرِيرُ دَلِيلِهِ أَنَّ الْقُرْءَ وُضِعَ لِلطُّهْرِ وَالْحَيْضِ مَعًا عَلَى الْبَدَلِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ وُضِعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، لِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الْقُرْءَ لِلطُّهْرِ وَالْحَيْضِ مَعًا عَلَى الْبَدَلِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ. وَلِأَنَّا إِذَا سَمِعْنَا الْقُرْءَ، لَمْ نَفْهَمْ أَحَدَهُمَا عَلَى التَّعْيِينِ، وَبَقِيَ الذِّهْنُ مُتَرَدِّدًا. وَلَوْ كَانَ اللَّفْظُ مُتَوَاطِيًا أَوْ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا أَوْ مَجَازًا فِي الْآخَرِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا. وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِأَحَدِهِمَا، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى الثَّانِي بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَخَفِيَ ذَلِكَ، احْتِمَالٌ بَعِيدٌ ; لِأَنَّ الْخَفَاءَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَعْلَمُ
[ ١ / ١٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مَعَ مُبَالَغَتِهِمْ فِي الِاسْتِقْصَاءِ وَالدَّلَائِلِ اللُّغَوِيَّةِ لَا يَجِبُ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْقَطْعِ الْمَانِعِ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ الْبَعِيدَةِ، بَلْ يَكْفِي فِيهَا [الْأَوْلَى] وَالْأَقْرَبُ. ش - هَذَا هُوَ الدَّلِيلُ الْفَاسِدُ عَلَى مَطْلُوبِهِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُشْتَرَكُ وَاقِعًا لَخَلَتْ أَكْثَرُ الْمُسَمَّيَاتِ عَنِ الْأَلْفَاظِ. وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْمَعَانِيَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ ; لِأَنَّ مِنْ جُمْلَتِهَا الْأَعْدَادُ وَالرَّوَائِحُ، وَهِيَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ. وَالْأَلْفَاظُ، لِكَوْنِهَا مُرَكَّبَةً مِنَ الْحُرُوفِ الْمُتَنَاهِيَةِ، مُتَنَاهِيَةٌ، فَإِذَا وُزِّعَتْ عَلَى الْمَعَانِي بِحَيْثُ وُضِعَ كُلُّ وَاحِدٍ بِإِزَاءِ وَاحِدٍ، لَزِمَ خُلُوُّ أَكْثَرِ الْمُسَمَّيَاتِ عَنِ الْأَلْفَاظِ. وَأَمَّا انْتِفَاءُ اللَّازِمِ فَلِأَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إِلَى التَّعْبِيرِ عَنْهَا بِالْأَلْفَاظِ فَلَا بُدَّ مِنْ وَضْعِهَا لَهَا. ش - لَمَّا كَانَ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ فَاسِدًا، ذَكَرَ بَيَانَ فَسَادِهِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ صِدْقَ الْمُلَازَمَةِ. قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَعَانِيَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ. قُلْنَا: إِنْ أَرَدْتُمْ بِكَوْنِ الْمَعَانِي غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ: [أَنَّ] الْمَعَانِيَ الْمُتَضَادَّةَ، وَهِيَ الْأُمُورُ الْوُجُودِيَّةُ الَّتِي يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَالْحُمْرَةِ. وَالْمُخْتَلِفَةُ، وَهِيَ الْأُمُورُ الَّتِي حَقِيقَتُهَا مُخْتَلِفَةٌ وَلَا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهَا فِي مَحَلٍّ كَالْحَرَكَةِ وَالْبَيَاضِ وَالضَّحِكِ وَالْكِتَابَةِ، غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ. وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ غَيْرَ الْمُتَضَادَّةِ وَالْمُخْتَلِفَةَ، أَعْنِي الْمُتَمَاثِلَةَ - وَهِيَ الْأُمُورُ الْمُتَّفِقَةُ الْحَقَائِقِ، كَأَفْرَادِ الْأَنْوَاعِ الْحَقِيقِيَّةِ - غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، فَنُسَلِّمُ أَنَّهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، وَلَكِنْ لَا يُفِيدُ عَدَمُ تَنَاهِيهَا فِي بَيَانِ الْمُلَازَمَةِ ; إِذْ يَكْفِي أَنْ يُوضَعَ اللَّفْظُ بِإِزَاءِ الْحَقِيقَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بِالتَّوَاطُؤِ، فَلَا يَلْزَمُ خُلُوُّهَا عَنِ الْأَسْمَاءِ ; ضَرُورَةَ تَنَاوُلِ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِلْحَقِيقَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهَا إِيَّاهَا. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُخْتَلِفَةَ وَالْمُتَضَادَّةَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، وَأَنَّ الْمُتَمَاثِلَةَ
[ ١ / ١٦٦ ]
وَإِنْ سُلِّمَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ [الْمُتَرَكِّبَ] مِنَ الْمُتَنَاهِي، مُتَنَاهٍ. وَأُسْنِدَ بِأَسْمَاءِ الْعَدَدِ. وَإِنْ سُلِّمَ مُنِعَتِ الثَّانِيَةُ وَيَكُونُ كَأَنْوَاعِ الرَّوَائِحِ.
ص - وَاسْتَدَلَّ: لَوْ لَمْ يَكُنْ - لَكَانَ الْمَوْجُودُ فِي القَدِيمِ وَالْحَادِثِ مُتَوَاطِئًا ; لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّ الْمَوْجُودَ إِنْ كَانَ الذَّاتَ - فَلَا اشْتِرَاكَ، وَإِنْ كَانَ الصِّفَةَ فَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي الْقَدِيمِ - فَلَا اشْتِرَاكَ.
_________________
(١) [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ١٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] لَا يَكْفِي وَضْعُ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ الْحَقِيقَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهَا، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا يَجِبُ أَنْ يُوضَعَ اللَّفْظُ لَهُ، غَيْرُ مُتَنَاهٍ. وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا يَجِبُ أَنْ يُوضَعَ لَهُ اللَّفْظُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَقِّلًا ; إِذْ غَيْرُ الْمُتَعَقِّلِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُوضَعَ اللَّفْظُ لَهُ، وَالْمُتَعَقِّلُ مِنْهَا مُتَنَاهٍ ; لِامْتِنَاعِ إِحَاطَةِ الذِّهْنِ بِالْأُمُورِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمَعَانِيَ الْمَعْقُولَةَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَلْفَاظَ مُتَنَاهِيَةٌ. قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُتَنَاهِيَةِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَكَّبَ مِنَ الْمُتَنَاهِي، مُتَنَاهٍ. وَسَنَدُهُ أَنَّ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ مُتَنَاهِيَةٌ، وَالْمُرَكَّبَ مِنْهَا غَيْرُ مُتَنَاهٍ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَكَّبَ مِنَ الْمُتَنَاهِي مُتَنَاهٍ حَتَّى يَلْزَمَ صِدْقُ الْمُلَازَمَةِ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ التَّالِي. [وَإِلَيْهِ أَشَارَ] بِقَوْلِهِ: وَإِنْ سُلِّمَتْ مُنِعَتِ الثَّانِيَةُ، يَعْنِي الْمُقَدِّمَةَ الِاسْتِثْنَائِيَّةَ. وَهِيَ اسْتِثْنَاءُ [نَقِيضِ] التَّالِي ; فَإِنَّهُ مِنَ الْجَائِزِ خُلُوُّ أَكْثَرِ الْمُسَمَّيَاتِ عَنِ الْأَلْفَاظِ، كَأَنْوَاعِ الرَّوَائِحِ ; فَإِنَّ أَكْثَرَهَا خَلَا عَنِ الْأَلْفَاظِ. ش - هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ فَاسِدٌ عَلَى مَطْلُوبِهِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُشْتَرَكُ وَاقِعًا لَكَانَ صِدْقُ " الْمَوْجُودِ " عَلَى الْقَدِيمِ أَيِ الْبَارِي تَعَالَى، وَعَلَى الْحَادِثِ، أَيِ الْمَخْلُوقَاتِ بِطَرِيقِ التَّوَاطُؤِ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَالْمُقَدَّمُ مِثْلُهُ. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ " الْمَوْجُودَ " حَقِيقَةٌ فِيهِمَا ; إِذْ لَوْ كَانَ مَجَازًا فِي أَحَدِهِمَا، جَازَ سَلْبُهُ عَنْهُ ; إِذْ مِنْ عَلَامَاتِ الْمَجَازِ صِحَّةُ السَّلْبِ لَكِنْ لَمْ يَجُزْ سَلْبُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالِاتِّفَاقِ. وَإِذَا كَانَ الْمَوْجُودُ حَقِيقَةً فِيهِمَا وَلَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا عَلَى التَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ يَكُونُ مُتَوَاطِئًا ; ضَرُورَةَ انْحِصَارِ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فِي الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ. فَإِذَا انْتَفَى أَحَدُهُمَا تَحَقَّقَ الْآخَرُ. وَأَمَّا بَيَانُ انْتِفَاءِ التَّالِي، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " وَأَمَّا الثَّانِيَةُ " فَلِأَنَّ الْمَوْجُودَ " إِنْ كَانَ الذَّاتَ " أَيْ عَيْنَ مَاهِيَّةِ الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ، لَمْ يَكُنْ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ; لِأَنَّ ذَاتَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُخَالِفَةٌ بِالْحَقِيقَةِ لِذَاتِ الْآخَرِ، فَلَا يَكُونُ مُتَوَاطِئًا. وَإِنْ كَانَ صِفَةً، أَيْ لِلْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ، فَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي الْقَدِيمِ، وَمُمْكِنَةٌ فِي الْحَادِثِ، فَلَا يَكُونُ الْمَوْجُودُ فِيهِمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فِي أَحَدِهِمْ، وَمُمْكِنًا فِي الْآخَرِ، فَلَا يَكُونُ مُتَوَاطِئًا. ش - تَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ التَّالِي. قَوْلُهُ: إِذَا كَانَ صِفَةً وَاجِبَةً فِي الْقَدِيمِ وَمُمْكِنَةً فِي الْحَادِثِ لَمْ يَكُنْ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوُجُوبَ وَالْإِمْكَانَ يَمْنَعُ اشْتِرَاكَ الْمَوْجُودِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ إِذَا كَانَ صِفَةً لِذَاتِ الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ، كَانَ مَعْنَى كَوْنِهِ وَاجِبًا أَنَّ ذَاتَ الْقَدِيمِ مِنْ حَيْثُ هِيَ تَقْتَضِي تِلْكَ الصِّفَةَ. وَمَعْنَى كَوْنِهِ مُمْكِنًا أَنَّ ذَاتَ الْمُمْكِنَ مِنْ حَيْثُ هِيَ لَا تَقْتَضِي تِلْكَ. فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِفَةً وَاحِدَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْمَاهِيَّتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ، أَعْنِي الْقَدِيمَ وَالْحَادِثَ، وَتَقْتَضِي إِحْدَاهُمَا لِذَاتِهَا تِلْكَ الصِّفَةَ، فَتَكُونُ وَاجِبَةً فِيهَا، وَالْأُخْرَى لَا تَقْتَضِي لِذَاتهَا تِلْكَ الصِّفَةَ فَتَكُونُ مُمْكِنَةً فِيهَا، مَعَ أَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، كَالْعَالِمِ وَالْمُتَكَلِّمِ. فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَيَكُونُ الْوَاجِبُ مُقْتَضِيًا لِوُجُوبِهِ، وَالْمُمْكِنُ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَهُ، بَلْ يَقْتَضِي إِمْكَانَهُ. فَظَهَرَ أَنَّ وُجُوبَ الْوُجُودِ فِي الْقَدِيمِ وَإِمْكَانَهُ فِي الْمُمْكِنِ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ اشْتِرَاكِ الْمَوْجُودِ فِيهِمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَلَا يَمْنَعَانِ التَّوَاطُؤَ.
[ ١ / ١٦٨ ]
ص - وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ وَالْإِمْكَانَ لَا يَمْنَعُ التَّوَاطُؤَ كَالْعَالِمِ وَالْمُتَكَلِّمِ.
ص - قَالُوا: لَوْ وُضِعَتْ - لَاخْتَلَّ الْمَقْصُودُ مِنَ الْوَضْعِ.
ص - قُلْنَا: يُعْرَفُ بِالْقَرَائِنِ. وَإِنْ سُلِّمَ فَالتَّعْرِيفُ الْإِجْمَالِيُّ مَقْصُودٌ كَالْأَجْنَاسِ.
ص - (مَسْأَلَةٌ): وَوَقَعَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْأَصَحِّ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وَ﴿عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] لِأَقْبَلَ، وَأَدْبَرَ.
_________________
(١) [الشرح] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ١٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الشرح] هَكَذَا يَجِبُ أَنْ يُفْهَمَ هَذَا الْمَوْضِعُ. ش - لَمَّا فَرَغَ عَنْ ذِكْرِ مَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَهُ، شَرَعَ فِي ذِكْرِ الْمَذْهَبِ الْبَاطِلِ، وَهُوَ عَدَمُ وُقُوعِ الْمُشْتَرَكِ. وَتَوْجِيهُ دَلِيلِهِمْ أَنْ يُقَالَ: لَوْ وُضِعَتِ الْأَلْفَاظُ الْمُشْتَرَكَةُ لَاخْتَلَّ الْمَقْصُودُ مِنَ الْوَضْعِ. وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ. أَمَّا بُطْلَانُ اللَّازِمِ فَلِأَنَّهُ لَوِ اخْتَلَّ الْمَقْصُودُ لَكَانَ مُؤَدِّيًا إِلَى الْمَفَاسِدِ، وَمَا يَكُونُ مُؤَدِّيًا إِلَى الْمَفَاسِدِ، وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ. وَأَمَّا بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْوَضْعِ هُوَ التَّفَاهُمُ التَّفْصِيلِيُّ حَالَةَ التَّخَاطُبِ. وَإِذَا كَانَ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا لَمْ يَحْصُلِ التَّفَاهُمُ ; لِجَوَازِ أَنْ لَا يَفْهَمَ الْمُخَاطَبُ حَالَةَ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ يَفْهَمَ غَيْرَ مُرَادِهِ. ش - مَنَعَ الْمُصَنِّفُ الْمُلَازَمَةَ بِأَنْ قَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا كَانَ مُشْتَرَكًا لَمْ يَفْهَمِ الْمُخَاطَبُ الْمَعْنَى الْمُرَادَ ; لِجَوَازِ أَنْ يُعْرَفَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ بِالْقَرَائِنِ. وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَا يَفْهَمُ الْمُرَادَ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ
[ ١ / ١٧١ ]