١- كانت القضية الأولى التي واجهها الصحابة إثر وفاة الرسول ﷺ: قضية الخلافة التي أشرنا إليها في صدر هذا البحث، حيث كان الخلاف بين المهاجرين والأنصار، وأراد الأنصار هذا الأمر لأنفسهم، واختاروا سعد بن عبادة من قبلهم، ولكن مبادة أبي بكر وعمر، وأبي عبيدة في الذهاب إلى الأنصار، حسمت هذا الخلاف بعد مجادلة وتفاهم، وتمت البيعة لأبي بكر الذي استخلفه الرسول ﷺ للصلاة بالناس قبل وفاته، ولم يشذ عن هذه البيعة أحد سوى ما ذكره المؤرخون عن سعد بن عبادة الأنصاري.
لقد ذكر ابن كثير في البدايةوالنهاية قصى سقيفة بن ساعدة وروى ما جاء عن ذلك في كتب السنة وروى البخاري في فضائل الصحابة، عن عائشة.
[ ١٩٤ ]
﵂، زوج النبي ﷺ، أن رسول الله صلى الله وسلم، مات، وأبو بكر بالسنح١ قال إسماعيل٢ك تعنى بالعالية، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ، قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك ٣. وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله ﷺ فقبله، فقال: بأبي أنت وأمي، طبت حيا وميتا، والله الذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدا، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبو بكر، جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات. ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ٤ وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ٥ قال: فنشج الناس يبكون، قال: واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا منا أمير ومنكم أمير، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أنى قد هيأت كلاما قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء فقال الحباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا ولكنا الأمراء، وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب دارا٦ وأعربهم أحسابا، فبايعوا عمر بن الخطاب، أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله
_________________
(١) ١ السنح: بضم السين وسكون النون وتضم كذلك: منازل بني الحارث من الخزرج بالعوالي، وبينه وبين المسجدس النبوي، ميل. ٢ هو إسماعيل بن أبي أويس شيخ البخاري أراد تفسير قول عائشة: بالنسح. ٣ يعني عدم موته ﷺ حينئذ. ٤ الزمر: ٣٠. ٥ آل عمران: ١٤٤. ٦ أي قريش.
[ ١٩٥ ]
ﷺ فأخذ عمر بيده وبايعه، وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة ١ فقال عمر: قتله الله"
وذكرت الروايات أنه لما بويع أبو بكر في السقيفة، وكان الغد، كانت بيعة العامة
٢- وكانت القضية الثانية التي واجهها الصحابة هي "امتناع جماعة من العرب عن أداء الزكاة" فعزم أبو بكر أمره على قتالهم، ولم يكن من رأي عمر باديء الأمر قتال هؤلاء، لأنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فظل أبو بكر يراجعه حتى شرح الله صدره للقتال، واتفق الصحابة عليه.
فعن أبي هريرة قال: لما توفى رسول الله ﷺ، وكان أبو بكر ﵁، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر ﵁: "كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على؟ فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها لرسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، قال عمر ﵁: فوالله ما هو إلا أن شرح الله صدري لما شرح له صدر أبي بكر ﵁، فعرفت أنه الحق". رواه الجماعة إلا ابن ماجه.
_________________
(١) ١ أي كدتم تقتلونه. وقوله "لا يذيقك الله الموتتين أبدا" رد على من زعم أنه سيحيا فيقطع أي رجال، لأن لو صح ذلك للزم أن يموت موتة أخرى، فأخبر أنه أكرم على الله من أن يجمع عليه موتتين كما جمعهما على غيره، كالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف، وكالذي مر على قرية، وقيل: لا يموت موتة أخرى في القبر كغيره، إذ يحيا ليسئل ثم يموت، لأن حياته في القبر لا يعقبها موت، بل يستمر حيا، وقيل: كني بالموت الثاني عن الكرب، أي لا تلقي بعد كرب هذا الموت كربا آخر.
[ ١٩٦ ]
٣- وأرادت فاطمة أن ترث رسول الله ﷺ، فردها أبو بكر وتم الاتفاق على أنه لاحق لأحد من الورثة في ذلك، فقد روى البخاري في كتاب فضائل الصحابة عن عائشة: "أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي ﷺ فيما أفاء الله على رسوله ﷺ، تطلب صدقة النبي ﷺ التي بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: لا نورث: ما تركناه فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال يعني مال الله ليس لهم أن يزيدوا على المأكل وإني والله لا أعز١ شيئا من صدقات النبي ﷺ التي كانت عليها في عهد النبي ﷺ، ولأعملن فيها بما بما عمل فيها رسول الله ﷺ.
وفي الحديث المتفق عليه "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة". فكان هذا مخصصا لآية الميارث وزال الخلاف.
٤- واختلفوا في موضع دفنه ﷺ، ثم اتفقوا على أن يدفن موضع فراشه حيث قبض ﷺ، عندما روى لهم أبو بكر الصديق أنه لا يدفن نبي إلا حيث يموت. جاء في كتاب الجنائز من موطأ مالك: أن مالكا بلغه أن رسول الله ﷺ توفى يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء، وصلى الناس عليه أفذاذا لا يؤمهم أحدا، فقال ناس: يدفن عند المنبر، وقال آخرون: يدفن بالبقيع، فجاء أبو بكر الصديق فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفى فيه" قال الحافظ ابن عبد البر: صحيح من وجوه مختلفة.
وفي كتاب الجنائز من جامع الترمذي حديث عائشة لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله صلى الله
_________________
(١) ١ أعز: من وعز، بمعنى وأمر.
[ ١٩٧ ]
عليه وسلم شيئا ما نسيته، قال: "ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يجب أن يدفن فيه" ادفنوه في موضع فراشه.
وفي كتاب الجنائز من سنن أبن ماجه عن ابن عباس: لما اختلف المسلمون في المكان الذي يحفر له، فقال قائلون: يدفن في مسجده وقال قائلون يدفن مع أصحابه، فقال أبو بكر: "إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض".
٥- ومن القضايا التي اتفقوا عليها كذلك "جمع القرآن" فقد توفى رسول الله ﷺ ولم يكن القرآن قد جمع في مصحف واحد، وليس هناك من كتاب أو سنة ما يدل على جمعه، ولكن عمر رأي ضرورة ذلك بعد موقعة اليمامة كما ذكرنا من قبل، وظل يراجع أبا بكر حتى اقتنع بذلك، وصار هذا إجماعا من الصحابة١.
٦- وشاور عمر في تدوين الدواوين، وكان قد اتبع رأي أبي بكر في التسوية بين الناس في الأعطية، فلما جاء فتح العراق رأي التفضيل فيما بينهم بقدر بلاء الرجل وجهاده، واستشار في ذلك فأقره الصحابة.
يقول عمر: "ما من أحد إلا له في هذا المال، وما أنا فيه إلا كأحدهم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله وقسمنا من رسول الله ﷺ، والرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته".
ويذكر المؤرخون أن عمر أراد آخر حياته أن يرجع إلى المساواة كما صنع أبو بكر، ومات قبل أن يفعل ذلك.
_________________
(١) ١ انظر ص ١٩١ وما بعدها في هذا الكتاب.
[ ١٩٨ ]
جاء في كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام، باب فرض الأعطية من الفيء ومن يبدأ به فيها، عن محمد بن عجلان، قال: لما دون لنا عمر الديوان قال: بمن نبدأ؟ قالوا: بنفسك فابدأ، قال: لا، إن رسول الله ﷺ إمامنا، فبرهطه نبدأ، ثم بالأقرب فالأقرب.
وذكر القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج، في فصل "كيف كان فرض عمر لأصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم" أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يقسم العطاء بين الناس بالسوية، على الصغير والكبير، والحر والمملوك والذكر والأنثى، فجاء ناس من المسلمين فقالوا: يا خليفة رسول الله: إن قسمت هذا المال فوسيت بين الناس، ومن الناس أناس لهم فضل وسوابق وقدم، فلو فصلت أهل السوابق والفضل بفضلهم؟ فقال: أما ما ذكرتم من السوابق والقدم والفضل فما أعرفني بذلك، وإنما ذلك شيء ثوابه على الله جل ثناؤه، وهذا معاش، فالأسوة فيه خير من الأثرة، فلما كان عمر بن الخطاب ﵁، وجاءت الفتوح، فضل، وقال: لا أجعل من قاتل رسول الله ﷺ كمن قاتل معه، ففرض لأهل السوابق والقدم من المهاجرين والأنصار ممن شهد بدرا خمسة آلاف، ولمن لم يشهد بدرا أربعة آلاف، وفرض لمن كان إسلامة كإسلام أهل بدر ولم يشهد بدرا دون ذلك، أنزلهم على قدر منازلهم من السوابق، وساق أبو يوسف الروايات التفصيلية الواردة في ذلك، ثم ذكر رواية محمد بن السائب عن زيد١ عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: "والله الذي لا إله إلا هو ما أحد إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه، وما أحد أحق به من أحد إلا عبد مملوك، وما أنا فيه إلا كأحدكم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله ﷿ وقسمنا من رسول الله ﷺ، فالرجل وتلاده في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته في الإسلام، والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو
_________________
(١) ١ هو زيد بن أسلم العدوي مولى عمر، روى عن أبيه وعن ابن عمر.
[ ١٩٩ ]
مكانه قبل أن يحمر وجهه - يعني في طلبه - قال: ولما رأي المال قد كثر، قال: لئن عشت إلى هذه الليلة من قابل لألحقن أخرى الناس بأولاهم حتى يكونوا في العطاء سواء، قال: فتوفى ﵀ قبل ذلك.
ودلت الروايات على أنه فرض لأزوج النبي ﷺ لكل واحدة اثنا عشر ألف درهم في السنة، ومثلها لعمه العباس، وثلاثة آلاف لأبناء المهاجرين والأنصار، فرتب العطاء حسب السبق والبلاء والحاجة.
[ ٢٠٠ ]