أمرنا الله تعالى بطاعته، وطاعة رسوله في قوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١.
وتكرار الأمر بالطاعة لرسول الله ﷺ يدل على أن طاعة الرسول تجب استقلالا، من غير عرض ما أمر به على الكتاب؛ بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا، سواء أكان ما أمر به في الكتاب، أو لم يكن فيه؛ فإنه أوتي الكتاب ومثله معه، ولم يأمر الله بطاعة أولى الأمر استقلالا؛ بل حذف الفعل.
_________________
(١) ١ النساء: ٥٩.
[ ٢٣٧ ]
وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول، إيذانا بأنهم يطاعون تبعا لطاعة الرسول؛ فمن أمر منهم بما جاء عن الرسول وجبت طاعته، ومن أمر بخلاف ذلك فلا سمع له ولا طاعة، وقد صح أن النبي ﷺ قال: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" ١ وقال: "إنما الطاعة في المعروف" ٢.
وقد تضمنت الآية احتمال التنازع بين المؤمنين في بعض الأحكام وأوجبت الرد عند التنازع إلى الله والرسول، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته، والأمر بالرد عند التنازع إلى الكتاب والسنة يدل على أنهما يشتملان على حكم كل شيء لأن قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ نكرة في سياق الشرط تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين، ولو لم يكن ما في كتاب الله وسنة رسوله كافيا لبيان حكم ما تنازعوا فيه، لما أمروا بالرد إليه، وهذا يجعل مرد الحلال والحرام إلى الله والرسول، أما ما يراه المجتهد فهو حكم باجتهاده، ولذا نهى النبي ﷺ في الحديث الصحيح أميره بريدة أن ينزل عدوه إذا حاصرهم على حكم الله، وقال: "فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك".
واجتهاد الصحابة الذي ذكرناه آنفا لا يعنى القول بالرأي المجرد؛ فإنه قد أثر عنهم ذم ذلك فأثر عن أبي بكر ﵁ أنه قال: "أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إن قلت في آية من كتاب الله برأيي، أو بما لا أعلم". وكان إذا اجتهد قال: هذا رأي؛ فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني، وأستغفر الله.
وأثر عن عمر نحو ذلك، وأنه قال: "إياكم والرأي".
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد. وأخرجه مسلم بلفظ "لا طاعة في معصية الله". ٢ رواه البخاري ومسلم.
[ ٢٣٨ ]
وروي عن عبد الله بن مسعود قال: لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي قبله، أما إني لا أقول: أمير خير من أمير، ولا عام أخصب من عام؛ ولكن فقهاءكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفاء، ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم".
وقال في المفوضة١: أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريء.
ومثل هذا روى عن عثمان، وقال على بن أبي طالب: "لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه".
وأتيى زيد بن ثابت قوم فسألوه عن أشياء فأخبرهم بها، فكتبوها، ثم قالوا: لوأخبرنا، فأتوه فأخبروه، فقال: "أعذروا لعل كل شيء حدثتكم به خطأ، إنما اجتهدت لكم برأيي.
وإذا كان قد أثر عن الصحابة ذلك في ذم الرأي، فالمراد بالرأي المذموم الرأي الباطل بأنواعه، كالرأي المخالف للنص، أو الكلام في الدين بالخرص والظن، من غير تبصر بالنصوص وتفهم لها، لاستنباط الأحكام منها، أو الرأي الذي يتضمن تعطيل أسماء الله وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة، أو الذي يميل مع الهوى فيما يستحدث من بدع، أو القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان، وردا لفروع بعضها على بعض قياسا دون ردها إلى أصولها، والنظر في عللها، أو ما يكون من باب الاشتغال بالمعضلات والأغلوطات، وقد قال ﷺ: إن الله يكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال" رواه البخاري ومسلم.
أما الرأي الذي يكون عن نظر في الأدلة والاجتهاد في فهمها؛ فهو الذي كان من الصحابة وقال فيه ابن القيم: "إنهم خصوه بما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجوب الصواب بما تتعارض فيه الإمارات، وهو الرأي المحمود، فإن كان عن صحابة رسول الله ﷺ فهو حري بأن يكون مقبولا.
_________________
(١) ١ التفويض: العقد على المرأة دون ذكر المهر أو ترك تحديدة لها بعهد أو لأحدهما أو لأجنبي انظر المعنى ص ٧١٢، ج٦.
[ ٢٣٩ ]
وقد نقل ابن القيم عن الشافعي قوله: "وقد أثنى الله ﵎ على أصحاب رسول الله ﷺ في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله ﷺ من الفضل، ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهنأههم بما آتاهم من ذلك ببلوغ منازل الصديقين والشهداء والصاحلين أدوا إلينا سنة رسول الله ﷺ عاما وخاصا، وعزما وإرشادا، وعرفوا من سننه ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وروع وعقل، وأمر استدرك به علم، واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا".
تلك هي منزلة الصحابة عند الشافعي فيما يروي عنهم من رأي، وقد كان أحدهم يري الرأي فينزل القرآن بموافقته، كما رأي عمر في أسارى بدر أن تضرب أعناقهم؛ فنزل القرآن بموافقته، ورأي أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، فنزل القرآن بمواقته، وقال لنساء النبي ﷺ لما اجتمعن في الغيرة علين: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَات﴾ ١. فنزل القرآن بموافقته. ولما توفى عبد الله بن أبي قام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوبه، فقال: "يا رسول الله إنه منافق" فصلى عليه رسول الله ﷺ، فأنزل الله عليه ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ ٢.
وعلى هذا ينتفي التعارض بين ما روى عن الصحابة من ذم للرأي، وما اجتهدوا فيه برأيهم؛ فالرأي الذي ذموه هو الرأي المجرد الذي لا دليل عليه؛ بل هو خرص وتخمين، على نحو ما ذكرنا من قبل، أما الرأي الذي هو بصيرة القلب، أو الرأي الذي يستند غلى استدلال واستنباط يفسر النصوص، ويبين درجة وجه الدلالة منها، فهذا أو ذاك هو ما أخذ به الصحابة، وهو الفهم الذي يختص الله سبحانه به من يشاء من عباده.
_________________
(١) ١ التحريم: ٥. ٢ التوبة: ٨٤.
[ ٢٤٠ ]