نشأ من ثمار هذه الجهود المباركة علم "الجرح والتعديل وهو علم يبحث فيه عن أحوال الرواة وأمانتهم وثقتهم وعدالتهم وضبطهم، أو عكس ذلك من كذب أو غفلة أو نسيان، وهو من أجل العلوم الإسلامية التي امتازت بها أمتنا.
وقد ابتدأ الكلام عن الرواة توثيقا وتوهينا منذ عصر صغار الصحابة، كابن عباس، وعبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، ثم من التابعين: سعيد بن المسيب، والشعبي، وابن سيرين، ثم تتابع الأمر بعد ذلك فيمن نظر في الرجال للوقوف على أحوال الرواة، كشعبة، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والليث، وابن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان. وهكذا من الطبقات التي تلتهم.
والذي يمعن النظر في هذا العلم وما ألف فيه من كتب يقف على الجهد المشكور الذي بذله علماؤنا في نقد الأحاديث لمعرفة الصحيح والحسن والضعيف.
بل إنهم وضعوا كذلك قواعد لمعرفة الموضوع، وعلاماته في السند وفي المتن.
ومن أهم علامات الوضع في السند: أن يكون راويه كذابا معروفا بالكذب، ولا يرويه ثقة غيره، أو أن يعترف واضعه بالوضع، أو يروى الراوي عن شيخ لم يثبت لقياه له، أو ولد بعد وفاته.
ومن أهم علامات الوضع في المتن.
أ- ركاكة اللفظ، وضعف بالأسلوب. قال ابن دقيق العيد: كثيرا ما يحكمون بذلك- أي بالوضع- باعتبار أمور ترجع إلى المروي.
وحاصله أنهم لكثرة ممارستهم لألفاظ الحديث، حصلت لهم هيئة نفسانية، وملكة قوية يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبي وما لا
[ ٢٨٥ ]
ب فساد المعنى: بأن يكون الحديث مخالفا لبدهيات المعقول، من غير أن يمكن تأويله، أو مخالفا للقواعد العامة في الأخلاق، أو مشتملا على سخافات يصلت عنها العقلاء، أو مخالفا لصريح القرآن، أو لحقائق التاريخ المعروفة من عصر النبي ﷺ.
جـ- موافقة الحديث لمذهب الراوي، كرواية الرافضي حديثا في فضل أهل البيت.
د- اشتمال الحديث على إفراط في الثواب العظيم على الفعل الصغير، والمبالغه بالوعيد الشديد على الأمر الحقير.
وقد أشبع الدكتور مصطفى السباعي هذا البحث، فليرجع إليه من شاء في كتابه: "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي".
[ ٢٨٦ ]