أدى انقسام المسلمين إلى طوائف بعد الفتنة إلى أن يؤيد كل فريق موقفه بالقرآن والسنة. فأول بعض هذه الطوائف القرآن على غير حقيقته، وحملوا نصوص السنة ما لا تحتمله، فإذا عز عليهم التأويل نسبوا إلى رسول الله ﷺ ما لم يقله تأييدا لدعواهم، لا سيما في فضل أئمتهم، وقد ذكروا أن أول بادرة في ذلك كانت من الشيعة ولم يقع شيء من ذلك في عهد الرسول ﷺ، ولم يصدر عن أحد من الصحابة، فهم محل الثقة، وما كان بينهم من خلاف كان اجتهادها في الدين، وكل منهم يطلب الحق وينشده، وإنما نشأ الوضع من الخلافات السياسية في عهد التابعين.
وأهم بواعثه ترجع إلى ما يأتي:
١- الخلافات السياسية:
فقد كانت سببا أصيلا في الكذب على رسول الله ﷺ.
سئل مائل عن الرافضة، فقال لا تكلمهم، ولا ترو عنهم؛ فإنهم يكذبون.
ويقول شريك بن عبد الله القاضي، وقد كان معروفا بالتشيع مع الاعتدال فيه: أحمل عن كل من لقيت، إلا الرافضة فإنهم يضعون الحديث، ويتخذونه دينا. وبذلك كان الرافضة أكثر الفرق كذبا.
قال حماد بن سلمة: حدثني شيخ لهم - يعني الرافضة - قال: كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئا جعلناه حديثا.
[ ٢٨٠ ]
وقد بين ابن تيمية ذلك في منهاج السنة.
ومن أمثلة الوضع لدى الرافضة: "من أراد أن ينظر إلى أدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي".
و"أنا ميزان العلم، وعلى كفتاه، والحسن والحسين خيوطه، وفاطمة علاقته، والأئمة منا عمود توزن فيه أعمال المحبين لنا والمبغضين لنا".
و"حب على حسنة لا يضر معها سيئة، وبغضه سيئة لا ينفع معها حسنة" فهذه الأخبار ونظائرها تفوح منها رائحة الكذب بصورة ظاهرة.
أما المتعصبون من جهلة أهل السنة فقد ندر ما أثر عنهم من الدس في الأخبار مثل: "ما في الجنة شجرة إلا مكتوب على ورقة منها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الفاروق، عثمان، ذو النورين"، "الأمناء الثلاثة: أنا وجبريل ومعاوية".
وذكر العلماء أن أقل الفرق الإسلامية كذبا هي فرق الخوارج، لما كانوا عليه من تقوى ولأنهم يكفرون مرتكب الكبيرة، ونسبوا إليهم: "إذا أتاكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله؛ فإن وافق كتاب الله فأنا قلته". ولكن بعض الباحثين ينفي عنهم تهمة الوضع إذ لا دليل يعتمد عليه في ذلك.
قال أبو داوود: ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج.
وقال ابن تيمية: ليس في أهل الأهواء أصدق ولا أعدل من الخوارج.
وقال: ليسوا ممن يتعمدون الكذب، بل هم معروفون بالصدق، حتى يقال إن حديثهم من أصح الحديث.
٢- الزندقة:
أظل الإسلام بلواء دعوته ودولته كثيرا من البلاد، ودخلت في حوزته عروش وإمارات وزعامات لها ماض في الحكم وتراث في الفلسفة، وربما عز على بعض
[ ٢٨١ ]
هذه النفوس أن تظل العقيدة الإسلامية صافية المنبع، سائغة الشراب لحقد دفين، أو كراهية للإسلام وأهله، فعمدت إلى الانتقام من هذا الدين ورجاله بالعمل على إفساد عقائده، وتشويه محاسنه، وتفريق صفوف أتباعه وجنوده، فكان الدس في السنة من أوسع ميادين الإفساد لدينهم فصاغوا أحاديث طابعها السخف والسخرية كقولهم: "خلق الله الملائكة من شعر ذراعيه وصدره" وقولهم: "إن الله لما خلق الحروف سجدت الباء ووقفت الألف" ومن أشهر هؤلاء الزنادقة الوضاعين: عبد الكريم بن أبي العوجاء وقد قتله محمد بن سليمان بن على والي البصرة، واعترف عند قتله بأنه وضع مئات الأحاديث، وبيان بن سمعان، قتله خالد بن عبد الله القسري، ومحمد بن سعيد المصلوب، قتله أبو جعفر المنصور.
٣- عصبية الجنس أو الإمام أو البلد:
وضع الشعوبيون١ حديث: "إن الله إذا غضب أنزل الوحي بالعربية، وإذا رضي أنزل الوحي بالفارسية" فقابلهم جهلة العرب بالمثل فقالوا: "إن الله إذا غضب أنزل الوحي بالفارسية، وإذا رضي أنزل الوحي بالعربية".
ووضع المتعصبون لأبي حنيفة: "سيكون رجل من أمتي يقال له أبو حنيفة النعمان هو سراج أمتي" والمتحاملون على الشافعي: "سيكون من أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس هو أضر على أمتي من إبليس" وكذلك الشأن فيما وضعوه عن فضائل بعض البلدان والقبائل.
٤ التساهل في باب الفضائل والترغيب والترهيب:
سلك بعض من تصدوا للوعظ إلى ابتكار قصص مكذوب للتأثير على عواطف الناس وإحراز إعجابهم، ونسبوا ذلك إلى النبي ﷺ.
ومن أمثلة هذا: "من قال لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب، وريشه من مرجان".
وفي كتب الأخلاق والتصوف كثير من هذا الباب.
_________________
(١) ١ الشعوبيون: هم الذين ينكرون العرب على غيرهم، ويحاولون الحط من قدرهم. الواحد: شعوبي.
[ ٢٨٢ ]
وقد ذكر ابن قتيبة عند الكلام على الوجوه التي دخل منها الفساد على الحديث، الوجه الثاني: القصاص، فإنهم يميلون وجه العوام إليهم، ويشيدون ما عندهم بالمناكير والأكاذيب من الأحاديث ومن شأن العوام والقعود عند القاص ما كان حديثه عديبا خارجا عن نظر العقول، أو كان رقيقا يحزن القلب، فإذا ذكر الجنة قال: "فيها الحوراء من مسك أو زعفران وعجيزتها ميل في ميل ويبوئ الله وليه قصرا من لؤلؤة بيضاء فيها سبعون ألف مقصورة في كل مقصورة سبعون ألف قبة، فلا يزال هكذا في السبعين ألفا لا يتحول عنها وللسيوطي كتاب "تحذير الخواص وليس من أكاذيب القصاص" حققه الشيخ محمد الضباغ ونشره المكتب الإسلامي ومن هذا القباني ابن أبي كثير من أحاديث فضائل القرآن سورة سورة، وقد اعترف نوح ابن أبي مريم بوضع مثل هذا، واعتذر لذلك بأنه رأي الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق.
ومن هؤلاء الوضاعين "غلام خليل" الذي كان زاهدا، فزين له الشيطان وضع أحاديث عن فضائل الأذكار والأوراد حتى قيل له هذه الأحاديث التي تحدث بها من الرقائق؟ فقال: وضعناها لنرقق بها قلبه.
[ ٢٨٣ ]