كانت حياة رسول الله ﷺ مع صحابته، تمثل الديمقراطية التي يتنغنى بها الناس، وتداعب أحلامهم في هذا العصر، فلم يكن بينه وبين أصحابه حجاب يمنعه عنهم أو يمنعهم عنه، فهو يخالطهم في المسجد، والسوق، والمنزل، والسر والحضر، وهم حريصون على لقائه وصحبته وملازمته للاقتباس منه، والاهتداء بهديه، والتأسي بسيرته، وبلغ تنافسهم في ذلك إلى أنهم كانوا يتناوبون في ملازمة مجلسه، فعن عمر قال: "كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد١ وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ينزل يوما، وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم وإذا نزل فعل مثل ذلك". رواه البخاري في كتاب العلم.
وحيثما حدث لأحدهم من الأمر ما لا يعرف أسرع في السفر إلى رسول الله ﷺ وقطع المسافات الواسعة ليستفتي.
روى البخاري عن عقبة بن الحارث أنه أخبرته امرأة بأنها أرضعته هو وزوجته، فركب من فوره وكان بمكه قاصدا المدينة، حتى بلغ رسول الله ﷺ فسأله عن حكم الله فيمن تزوج امرأة لا يعلم أنها أخته من الرضاع، ثم أخبرته بذلك من أرضعتها، فقال له النبي ﷺ: "كيف وقد قيل" ففارق: زوجته لوقته، فتزوجت بغيره.
ولم يكن الصحابة جميعا على مبلغ واحد من العلم بأحوال الرسول ﷺ، لتفاوت أحوالهم، وظروف حياتهم، وأماكن إقامتهم، ولم يكن للرسول ﷺ مجلس خاص للتعليم يجلس إليه فيه الصحابة، بل كانت.
_________________
(١) ١ أي ناحية بني أمية. سميت البقعة باسم من نزلها.
[ ١١٩ ]
حياته كلها منارة للعلم، وإن تخولهم بالموعظة من وقت لآخر فضلا عن أيام الجمعة والعيدين.
روى البخاري عن ابن مسعود، قالك "كان رسول الله ﷺ يتخولنا الموعظة تلو الموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا".
وقد أشار مسروق إلى تفاوت الصحابة في تلقيهم عن رسول الله ﷺ حيث يقول: "لقد جالست أصحاب محمد ﷺ فوجدتهم كالأخاذ "الغدير" فالأخاذ يروي الرجل، والأخاذ يروي العشرة، والأخاذ يروي المائة، والأخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم".
ومن الطبيعي أن يكون أكثر الصحابة علما بسنة رسول الله ﷺ من سبقوا إلى الإسلام، كالخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود. ومن كان أكثر ملازمة له وكتابة عنه كما سبق آنفا.
أما فيما يتعلق بالأمور المتصلة بالجنس وما يختص بالمرأة، فقد كان الرجال يسألون تارة رسول الله ﷺ وتارة يرسل أحدهم امرأته لتسأل زوجاته لعلمهن بأحوال رسول الله ﷺ العائلية، وقد تسأل النساء رسول الله ﷺ ما يشأن السؤال عنه من أمورهن، فإذا كان هناك ما يمنع النبي ﷺ من التصريح للمرأة بالحكم الشرعي، أمر إحدى زوجاته أن تفهمها إياه، كما جاء أن امرأة سألت النبي ﷺ كيف تتطهر من الحيض؟ فقال لها "خذي فرصة ممسكة فتوضيء بها" فقالت: يا رسول الله كيف أتوضأ بها؟ فأعاد كلامه السابق فلم تفهم، فأشار إلى عائشة أن تفهمها ما يريد، فأهمتها المراد، وهو أن تأخذ قطعة قطن نظيفة فتضعها في مكان الدم، فإذا خرجت بيضاء كان ذلك علامة طهرها. والحديث في البخاري وغيره.
[ ١٢٠ ]