ثبت أن القرآن نزل على سبعة أحرف، كما روى عن ابن عباس، أن النبي ﷺ، قال: "أقرأني جبريل "القرآن" على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف"راه البخاري.
وأذن ﷺ لكل من أصحابه أن يقرأ بما أخذ عنه من تلك الأحرف، تيسيرا لهم، وتخفيفا عنهم، ولم يكن بينهم من الاختلاف ما يدعو إلى المنع من ذلك، لقلته، واجتماع الصحابة وقلة عددهم بالنسبة لمن بعدهم، ولوجود الرسول ﷺ بين أظهرهم، ورجوعهم إليه فيما اختلفوا فيه، ولم تدع الحاجة في عهد أبي بكر وعمر لأكثر من جمع القرآن من غير ترتيب بين سورة، ولا إلزام للناس أن يقرأوا بحرف واحد من السبعة.
وفي عهد عثمان اتسعت الفتوحات الإسلامية، وتفرق القراء في الأمصار.
ووأخذ أهل كل مصر عمن وفد إليهم قراءته.
ووجوه القراءة التي يؤدون بها القرآن مختلفة باختلاف الأحرف التي نزل عليها، فكانوا إذا ضمهم مجمع أو موطن من مواطن الغزو، عجب بعضهم من وجوه هذا الاختلاف، وقد يقنع بأنها جميعا مسندة إلى رسول الله ﷺ، ولكن هذا لا يحول دون تسرب الشك للناشئة التي لم تدرك الرسول ﷺ، فيدور الكلام حول فصيحها وأفصحها، وذلك يؤدي إلى الملاحاة إن استفاض أمره، ثم إلى اللجاج والتأثيم، وتلك فتنة لا بد لها من علاج.
[ ١٩٢ ]
فلما كانت غزوة "أرمينية" وغزوة "أذربيجان" من أهل العراق، كان فيمن غزاها "حذيفة بن اليمان" فرأى اختلافا كثيرا في وجوه القراء، مع إلف كل لقراءته، ووقوفه عندها، ومما رأه من المخالفة حينئذ فزع إلى عثمان ﵁، وأخبره بما رأي، وكان عثمان قد نمى إليه أن شيئا من ذلك الخلاف يحدث ممن يقرئون الصبية، فينشأ هؤلاء وبينهم من الاختلاف ما بينهم، فأكبر الصحابة هذا الأمر مخالفة أن ينجم منه التحريف والتبديل، وأجمعوا أمرهم أن ينسخوا الصحف الأولى التي كانت عند أبي بكر، ويجمعوا الناس عليها بالقراءات الثابتة، فأرسل عثمان إلى حفصة، فأرسلت إليه بتلك الصحف، ثم أرسل إلى زيد بن ثابت الأنصاري، وإلى عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام القرشين، فأمرهم أن ينسخوها في المصاحف، وأن يكتب ما اختلف فيه زيد مع رهط القرشيين الثلاثة بلسان قريش فإنه نزل بلسانهم.
كتبت المصاحف على القراءات المتواترة، ورد عثمان الصحف إلى حفصة، وبعث إلى كل أفق بمصحف من المصاحف، واحتبس بالمدينة واحدا هو مصحفه الذي يسمى "الإمام" حيث جاء في بعض الروايات:
"يا أصحاب محمد، اجتمعوا فاكتبوا للناس إماما".
وأمر أن يحرق ما عدا ذلك من صحيفة أو صحف.
وبهذا قطع عثمان دابر الفتنة، وحسم مادة الاختلاف، وحصن القرآن من أن يتطرق إليه شيء من الزيادة والتحريف على مر العصور وتعاقب الأزمان، وكانت هذه المصاحف سبعة عدد الآفاق التي أرسل إليها: مكة، والشام، والبصرة، والكوفة، واليمن والبحرين، والمدينة.
ويمتاز مصحف عثمان بالترتيب المعروف في السور اليوم، وهذا الجمع هو المسمى بالجمع الثالث، وكان سنة ٢٥ هجرية.
[ ١٩٣ ]