اتفق المسلمون على أن ما صدر عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير في شأن من شئون التشريع، أو شئون الرئاسة والقضاء، ونقل إلينا بسند صحيح، يكون حجة على المسلمين، ومصدرا تشريعيا يستنبط منه المجتهدون الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين. فالسنة النبوية هي الأصل الثاني من أصول الأدلة الشرعية، ومنزلتها تلى منزلة القرآن، ويجب إتباعها كما يجب إتباع القرآن.
[ ٧٣ ]
وقد دل على حجيتها أمور كثيرة منها:
١- نصوص القرآن الكريم: فقد أمر الله تعالى باتباع رسوله وطاعته فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١ و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ٢.
وحذرنا من مخالفته فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ ٣.
ولم يجعل لنا الخيرة أمام حكمه فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٤.
وجعل ذلك من أصول الإيمان فقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٥.
وفرض على المؤمنين طاعته لأنها من طاعة الله فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ ٦.
فهذه النصوص تدل دلالة قاطعة على أن الله أوجب اتباع رسوله فيما شرعه وأن السنة مصدر تشريعي لأحكام المكلفين.
٢- عمل الصحابة: فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم في حياة رسول الله ﷺ يمتثلون أوامره ونواهيه، ولا يفرقون بين حكم أوحى الله به في القرآن وحكم صدر من رسول الله صلى الله عليه. فقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٧.
_________________
(١) ١ الحشر: ٧. ٢ النساء: ٥٩. ٣ النور: ٦٣. ٤ الأحزاب: ٣٦. ٥ النساء: ٦٥. ٦ النساء: ٨٠. ٧ النجم: ٣، ٤.
[ ٧٤ ]
وكذلك كان شأنهم بعد وفاته ﷺ، يرجعون إلى كتاب الله تعالى يلتمسون الحكم فيه، فإن لم يجدوا في كتاب الله، رجعوا إلى سنة الله رسول الله ﷺ.
٣- توقف القيام بفرائض الله المجملة على بيان رسول لله: فقد ورد في القرآن الكريم نصوص مجملة كثيرة، فرض الله فيها على الناس فرائضه. ولم يبين القرآن كيفية أدائها، كفرائض الصلاة والزكاة والصيام والحج: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاة﴾ ١.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام﴾ ٢.
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ٣ وبين رسول الله ﷺ هذا الإجمال بسنته القولية والعملية، حيث قال تعالى فيه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٤ فلو لم تكن هذه السنن البيانية حجة على المسلمين واجبة الاتباع، ما أمكن تنفيذ أوامر القرآن وفرائضه ولا أتباع أحكامه.
وبهذا يثبت أن ما صح من سنة رسول الله ﷺ التشريعية يكون حجة واجبة الاتباع وإذا كان وجوب اتباع رسول الله ﷺ باعتباره رسولا، فإنه يجب اتباعه في جميع الأحكام التي صحت عنه، سواء أكانت مبينة حكمة في القرآن أم منشئة حكما سكت عنه القرآن، لأنها كلها مصدرها المعصوم الذي منحه الله سلطة التبيين والتشريع٥.
وبذلك تثبت حجية السنة.
_________________
(١) ١ النور: ٥٦. ٢ البقرة: ١٨٣. ٣ آل عمران: ٩٧. ٤ النحل: ٤٤. ٥ انظر علم أصول الفقة. عبد الوهاب خلاف ط دار القلم ص ٣٧- ٣٩.
[ ٧٥ ]