يعبر العلماء عن هذا الموضوع بجمع القرآن.
وجمع القرآن يستعمل تارة بمعنى الحفظ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَه﴾ ١ ويستعمل تارة بمعنى كتابته كله مفرق الآيات والسور، أو مرتب الآيات فقط، وكل سورة في صحيفة على حدة، أو مرتبس الآيات والسور في صحائف مجتمعة تضم السور جميعا. وقد رتب إحداها بعد الأخرى.
أ- أما جمع القرآن - بمعنى حفظه واستظهاره - فقد كان رسول الله ﷺ أول الحفاظ له بهذا المعنى، وتيسر لعدد من أصحابه ذلك، هم جماعة القراء، وتدل الأخبار على أن عددهم لم يكن قليلا حيث روى أنه قتل يوم بئر معونة سبعون من حفظة القرآن الكريم٢، وأنه اشتهر من بين هؤلاء: عبد الله بن مسعود، وسالم بن معقل "مولى أبي حذيفة" ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد "ابن السكن" وأبو الدرداء، وقد ورد في البخاري ذكر هؤلاء:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "خذوا القرآن من أربعة، من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب".
وعن معاذ قال: "سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد رسول الله؟ فقال: أربعة كلهم من الأنصار، أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قلت: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي".
وفي رواية أخرى عن أنس، قال: "مات النبي ﷺ
_________________
(١) ١ القيامة: ١٧ ٢ عن أنس ﵁ أنه قال: "بعث النبي ﷺ سبعين رجلا لحاجة، يقال لهم: القراء، فعرض لهم حيان من بني سليم، رعل وذكوان، عند بئر يقال لها بئر معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا، إنما نحن مجتازون، في حاجة النبي ﷺ، فقتلوهم، فدعا النبي ﷺ شهرا في صلاة الغداة، وذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت" "رواه البخاري في كتاب المغازي - غزوة الرجيع".
[ ١٢١ ]
وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد ابن ثابتن وأبو زيد".
وذكر ابن حجر في الإصابة عند ترجمته لسعيد بن عبيد، أنه كان يلقب بالقاريء.
وأورد السيوطي كثيرا من القراء بأسمائهم، فعد من المهاجرين، الخلفاء الأربعة، وطلحة وسعدا، وابن مسعود، وحذيفة، وسالما، وأبا هريرة، وعبد الله بن السائب، والعبادلة، ابن عباس وابن عمرو بن العاص، وابن عمر وابن الزبير" وعائشة، وحفصة، وأم سلمة. ومن الأنصار: عبادة ابن الصامت، معاذ "الذي يكنى أبا حليمة"، ومجمع ابن جارية، وفضالة بن عبيد، وسلمة بن مخلد.
وقد اشتهر بإقراء القرآن من الصحابة سبعة: عثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله ابن مسعود، وأبو موسى الأشعري.
وقرأ على هؤلاء بعض الصحابة، وأخذ عنهم خلق كثير من التابعين، وكان الاعتماد آنذاك في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، فالأمة العربية كانت بسجيتها قوية الذاكرة، تستعيض عن أميتها في كتابة أخبارها وأشعارها وأنسابها بسجل صدورها.
والحفظ في الصدور خصيصة شرف امتن الله بها على هذه الأمة.
ب- وأما جمع القرآن بمعنى كتابته وهو المعنى الثاني الذي يراد بالجمع، فإن حديثنا هنا يقتصر على جمع القرآن كتابة في عهد رسول الله ﷺ ويسمونه بالجمع الأول.
اتخذ رسول الله ﷺ كتابا للوحي، منهم: الخلفاء الأربعة، ومعاوية، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب وخالد بن
[ ١٢٢ ]
الوليد، وثابت بن قيس، تنزل الآية فيأمرهم بكتابتها ويرشدهم إلى موضعها من سورتها، كما كان بعض الصحابة يكتبون ما ينزل من القرآن ابتداء من أنفسهم، دون أن يأمرهم النبي ﷺ، حتى تظاهر الكتابة جمع القرآن في الصدور، فيحفظونه في العسب، واللخاف، والكرانيف، والرقاع، والأقتاب، وقطع الأديم، وعظام الأكتاف، والأضلاع.
أخرج الحاكم عن زيد بن ثابت، قال: كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع "والعسب" جمع عسب، وهو جريد النخل، كانوا يكشطون ويكتبون في الطرف العريض، و"اللحاف": جمع لحفة" وهي صفائح الحجارة، و"الكرانيف": جمع كرنفة وهي: أصول السعف الغلاظ، والرقاع" جمع رقعة، وقد تكون من جلد أوورق، والأقناب": جمع قنب، وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه.
وكان جبريل يعارض رسول الله ﷺ بالقرآن كل سنة من ليالي رمضان، ويعارض الصحابة رسولهم: حفظا وكتابة، ولم تكن هذه الكتابة مجتمعة في مصحف عام، بل عند هذا ما ليس عند ذاك من الآيات والسور، وكان كل ما يكتب يوضع في بيت رسول الله ﷺ، وينسخ الكتاب لأنفسهم نسخة منه.
وقد نقل العلماء أن نفرا منهم: على بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود قد جمعوا القرآن كله على عهد رسول الله ﷺ، إلا أن زيد بن ثابت كان عرضه متأخرا عن الجميع.
وقبض رسول الله ﷺ والقرآن محفوظ في الصدور ومكتوب على الترتيب الذي هو عليه الآن في مصاحفنا، وبتوقيف.
[ ١٢٣ ]
جبريل إياه على ذلك، وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا.
ولم يجمع في مصحف عام حيث كان الوحي ينزل تباعا، فيحفظه القراء، ويكتبه الكتبة، ولم تدع الحاجة إلى تدوينه في مصحف واحد.
[ ١٢٤ ]