توفي رسول الله ﷺ، والقرآن الكريم محفوظ في الصدور، ومكتوب في الرقاع والأكتاف، والحجارة وغيرها.
أما السنة فلم يكن شأنها كذلك؛ لأنها لم تدون كما دون القرآن لأسباب أشرنا إلى بعضها من قبل، أهمها: الخوف من اختلاط بعض أقوال الرسول ﷺ بالقرآن، وما ورد من النهي عن كتابة شيء غيره، وهذا لا ينفي أن يكون قد كتب على عهد رسول الله ﷺ شيء من السنة. كما ذكرنا من قبل عن الصحف التي كتبها بعض الصحابة.
ولكن رسول الله ﷺ أوصى صحابته بتبليغ السنة إلى من وراءهم، مع التثبت فيما يروون.
أخرج أبو داوود والترمذي، من رواية زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ قال: "نضر الله امرءًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها، ورواها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع".
وقد امتثل الصحابة هذا وبلغوا أمانة الرسول ﷺ إلى أمته، خصوصا وقد تفرقوا في الأمصار، وأصبحوا فيها معلمين، ونتلمذ عليهم التابعون، ورحل إليهم من رحل على بعد الشقة، وعناء السفر للأخذ عنهم.
[ ٢٧٨ ]
بيد أن الصحابة كانوا متفاوتين في التحديث عن رسول الله ﷺ قلة وكثرة؛ فمن المقلين: الزبير وزيد بن أرقم، وعمران بن حصين، ولعل ذلك كان لحذرهم من الوقوع في الكذب من غير قصد، ولذلك روى أن أنس بن مالك كان يتبع الحديث عن النبي ﷺ بقوله: "أو كما قال".
ومن المكثرين: أبو هريرة، وعائشة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر وأنس بن مالك.
فلأبي هريرة كما يذكر بعض الباحثين "٥٣٧٤" حديثا. ولعائشة "٢٢١٠". ولعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك ما يقرب من مسند عائشة، ولكل من جابر ابن عبد الله، وعبد الله بن عباس أزيد من "١٥٠٠" ونرى بعض الصحابة لم يرد عنه إلا القليل النادر، ومما ساعد هؤلاء المكثرين في الحديث طوال حياتهم بعد النبي ﷺ وطول صحبتهم وكثرة من أخذ عنهم.
وقد اجتهد صغار الصحابة بجمع الحديث من كبارهم، ورحلوا في طلبه.
أخرج البخاري في الأدب المفرد، وأحمد والطبرانين والبيهقي واللفظ له عن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عن رسول الله ﷺ لم أسمعه منه، فابتعت بعيرا فشددت عليه رحلي، ثم سرت إليه شهرا حتى قدمت الشام؛ فإذا هو عبد الله بن أنيس الأنصاري، فأتيته فقلت له: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في المظالم لم أسمعه، فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه؛ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الناس غرلا بهما" قلنا: وما البهم؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم نداء يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة عنده مظلمة حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة. وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى أقصها منه، حتى اللطمة، قلنا: كيف؟ وإنما نأتي الله غرلا بهما؟ قال: "بالحسنات والسيئات".
[ ٢٧٩ ]
وبمثل هذا الاهتمام والارتحال لطلب السنةابتدأت رواية الحديث تأخذ في السعة والانتشار، واتجهت الأنظار إلى الصحابة ﵃، وحرص التابعون على لقياهم ونقل ما في صدورهم من علم قبل أن ينتقلوا إلى الرفيق الأعلى، ولم يشك أحد في الأخذ عن الصحابة، ولم يكن قد دس على حديث رسول الله ﷺ، حتى وقعت الفتنة وظهرت الطوائف، وبدأ التحول في حياة المسلمين الدينية تبعا للتحول في حياتهم السياسية.
[ ٢٨٠ ]