هو أبو محمد "سعيد بن المسيب" بن حزمة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المدني، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، والمسيب بفتح الياء المثناة من تحتها مشددة. وروي عنه أنه كان يقول: بكسر الياء، ويقول: سيب الله من سيب أبي.
كان سيد التابعين من الطراز الأول، وجمع بين الحديث، والفقه، والزهد، والعبادة، والورع، لقي جماعة من الصحابة ﵃، وسمع منهم، ودخل على أزواج النبي ﷺ وأخذ عنهن، وأكثر روايته "المسند" عن
[ ٣٠٣ ]
أبي هريرة ﵁، وكان زوج ابنته.
وسئل الزهري ومكحول: من أفقه من أدركتما؟ فقالا: سعيد بن المسيب. وقال عنه عبد الله بن عمر ﵄: لو رأى هذه رسول الله ﷺ لسره.
وكان سعيد صاحب نسك وعبادة، حج أربعين حجة، وكان أسبق الناس إلى الصلاة الجماعة في المسجد.
قال عن نفسه: "ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة".
وكان يقول: "ما أعزت العباد نفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانت نفسها مثل معصية الله".
وعرف ابن المسيب بعفة النفس، والجرأة في الحق، أراد عبد الملك بن مروان أن يستميله إليه، فما استطاع ودعي إلى نيف وثلاثين ألفا ليأخذها، فقال: "لا حاجة لي فيها ولا في بني مروان حتى ألقى الله، فيحكم بيني وبينهم".
وله موقف من زواج ابنته من أروع المواقف، كتب عنه الرافعي بعنوان "قصة زواج وفلسفة مهر" وخلاصته:
أن عبد الملك بن مروان خطب بنت سعيد لابنه الوليد حين ولاه العهد؛ فأبى سعيد أن يزوجه، فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه في يوم بارد وصب عليه الماء، ومع تأبيه من زواج ابنته لابن أمير المؤمنين وولى عهده، فإنه زوجها لطالب علم فقير ضعيف الحال.
قال أبو وداعة: كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياما، فلما جئته قال: أين كنت؟ قلت: توفيت أهلي فاشتغلت بها، فقال: هلا أخبرتنا فشهدناها، قال: ثم أردت أن أقوم؛ فقال: هلا أحدثت امرأة غيرها؟ فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ فقال: إن أنا فعلت
[ ٣٠٤ ]
تفعل؟ قلت: نعم، قال: ثم حمد الله، وصلى على النبي ﷺ، وزوجني على درهمين، أو قال على ثلاثة، قال: فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح، فعدت إلى منزلي، وجعلت أفكر ممن آخذ وأستدين، وصليت المغرب، وكنت صائما؛ فقدمت عشاي لأفطر، وكان خبزا وزيتا، وإذا بالباب يقرع، فقلت: من هذا؟ قال: سعيد؛ ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب؛ فإنه لم يرمنذ أربعين سنة إلا ما بين بيته والمسجد، فقمت وخرجت وإذا بسعيد بن المسيب، فظننت أنه قد بدا له، فقلت: يا أبا محمد هلا أرسلت إلى فأتيتك؟ قال: لا، أنت أحق أن تؤتى، قلت: فما تأمرني؟ قال: رأيتك رجلا عزبا قد تزوجت، فكرهت أن تبيت الله وحدك، وهذه امرأتك؛ فإذا هي قائمة خلفه في طوله، ثم دفعها إلى الباب ورد الباب، فسقطت المرأة من الحياء، فاستوثقت من الباب، ثم صعدت إلى السطح، فناديت الجيران، فجاءوني وقالوا: ما شأنك؟ فقلت: زوجني سعيد بن المسيب اليوم ابنته، وقد جاء بها على غفلة، وها هي في الدار، فنزلوا إليها، وبلغ أمي؛ فجاءت وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها ثلاثة أيام، فأقامات ثلاثا، ثم دخلت بها؛ فإذا هي من أجمل الناس، وأحفظهم لكتاب الله تعالى، وأعلمهم بسنة رسول الله ﷺ، وأعرفهم بحق الزوج، قال: فمكث شهرا لا يأتيني ولا آتيه، ثم أتيته بعد شهر وهو في حلقته، فسلمت عليه، فرد علي، ولم يكلمني حتى انقضى من في المسجد؛ فلما لم يبق غيري قال: ما حال ذلك الإنسان؟ قلت: هو على ما يحب الصديق ويكره العدو، قال: إن رابك شيء فالعصا، فانصرفت إلى منزلي".
وقد أبى سعيد بن المسيب أن يخالف ضميره في أحقية الولاية وأهليتها، وامتنع عن البيعة للوليد وسليمان، وعرض رقبته للسيف دون أن تلين له قناة قال يحيى بن سعيد: كتب هشام بن إسماعيل وإلى المدينة، إلى عبد الله بن مروان، إن أهل المدينة قد أطبقوا على البيعة للوليد وسليمان، إلا سعيد بن
[ ٣٠٥ ]
المسيب؛ فكتب أن اعرضه على السيف، فإن مضى فاجلده خمسين جلدة، وطف به في أسواق المدينة.
فلما قدم الكتاب على الوالي دخل سليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله، على سعيد بن المسيب، وقالوا: جئناك في أمر، قد قدم كتب عبد الملك: إن لم تبايع ضربت عنقك، ونحن نعرض عليك خصالا ثلاثا، فأعطنا إحداهن، فإن الوالي قد قبل منك أن يقرأ عليك الكتاب، فلا تقل: لا، ولا نعم، قال: يقول الناس، بايع سعيد بن المسيب!! ما أنا بفاعل.
وكان إذا قال لا، لم يستطيعوا أن يقولوا نعم.
قالوا: فتجلس في بيتك، ولا تخرج إلى الصلاة أياما؛ فإنه يقبل منك إذا طلبك من مجلسك فلم يجدك، قال: فأنا أسمع الأذان فوق أذني حي على الصلاة، حي على الصلاة!! ما أنا بفاعل. قالوا: فانتقل من مجلسك إلى غيره؛ فإنه يرسل إلى مجلسك، فإن لم يجدك، أمسك عنك، قال: أفرقا١ من مخلوق! ما أنا بمتقدم شبرا ولا متأخر.
فخرجوا، وخرج إلى صلاة الظهر، فجلس في مجلسه الذي كان يجلس فيه؛ فلما صلى الوالي بعث إليه، فأتى به، فقال: إن أمير المؤمنين كتب يأمرنا، إن لم تبايع ضربنا عنقك. قال: نهى رسول الله ﷺ، عن بيعتين؛ فلما رآه لم يجب أخرج إلى السدة، فمدت عنقه، وسلت السيوف، فلما رآه قد مضى، أمر به فجرد فإذا عليه تبان٢ شعر، فقال: لو علمت أني لا أقتل ما اشتهرت بهذا التبان فضربه خمسين سوطا، ثم طاف به أسواق المدينة؛ فلما ردوه والناس منصرفون من صلاة العصر، قال: إن هذه الوجوه ما نظرت إليها منذ أربعين سنة، ومنعوا الناس أن يجالسوه فكان من ورعه إذا جاء إليه أحد، يقول له: قم من عندي، كراهية أن يضرب بسببه.
_________________
(١) ١ أفرقا: من فرق يفرق فرقا. إذا جزع واشتد خوفه، وفي التنزيل: "ولكنهم قوم يفرقون" "التوبة: ٥٦". ٢ التبان: سراويل قصيرة إلى الركبة أو ما فوقها تستر العورة.
[ ٣٠٦ ]
وكان يقول: لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة، إلا بإنكار من قلوبكم، لكي لا تحبط أعمالكم.
وكان ولادته لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁، وتوفي سنة ثلاث وتسعين للهجرة على الراجح.
[ ٣٠٧ ]