الفصل الرابع: مشاهير المفتين في هذا العصر
مشاهير المفتين في هذا العصر:
أشهر المفتين في هذا العصر:
وقد اشتهر من المفتين في هذا العصر عدد كثير، بكل مدرسة، في كل مصر من الأمصار، نذكر منهم ما يلي:
عبد الله بن عباس:
هو عبد الله بن العباس القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ. أمه أم الفضل "لبابة" بنت الحارث الهلالية. ولد وبنو هاشم بالشعب، قبل الهجرة بثلاث، وقيل بخمس، والأول أثبت.
قال الواقدي: لا خلاف عند أئمتنا أنه ولد بالشعب حين حصرت قريش بني هشام وأنه كان له عند موت النبي ﷺ ثلاث عشرة سنة، وكان أبيض طويلا وسيما جسيما.
روي أن عليا ولاه البصرة. وكان على الميسرة يوم صفين، واستخلف أبا الأسود على الصلاة، وزيادا على الخراج، ولم يزل ابن عباس على البصرة حتى قتل على؛ فاستخلف على البصرة عبد الله بن الحارث، ومضى إلى الحجاز.
ودعا له رسول الله ﷺ فقال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" فاستجاب الله دعاه.
وروى من دعاء الرسول ﷺ له: "اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب".
وعكف ابن عباس على العلم: رواية، ودراسة، وتعليما، حتى برز، وأثمر، وتوارثت الأمة علمه الغزير.
[ ٣٠١ ]
روى الدارمي عن ابن عباس، قال: لما قبض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصال: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ﷺ؛ فإنهم اليوم كثير، قال واعجبا لك، أترى الناس يفتقرون إليك، قال: فتركت ذلك وأقبلت أسأل؛ فإن كان ليبلغني الحديث عن رجل، فآتي بابه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه يسفي الريح علي من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يابن عم رسول الله ما جاء بك، هلا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث، فعاش الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألونني فقال: هذا الفتى كان أعقل مني.
وعن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود: أما إن ابن عباس لو أدرك أسنانا ما عاشره منا أحد.
وكان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس.
ولما مات زيد بن ثابت قال أبو هريرة: مات حبر هذه الأمة، ولعل الله أن يجعل من ابن عباس خلفا.
وسئل ابن عمر عن آية فقال: انطلق إلى ابن عباس فاسأله؛ فإنه أعلم من بقي بما أنزل الله تعالى على محمد [ﷺ] .
وكان ابن عباس كثير المعارف، يؤمه الناس للتفسير، والحديث، والفقه، والشعر.
عن عطاء قال: ما رأيت قط من مجلس ابن عباس: أكثر فقها، وأعظم خشية، إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم من واد واسع.
وعن مجاهد قال: كان ابن عباس يسمى البحر لكثرة علمه.
وعن ميمون بن مهران قال: لو أتيت ابن عباس بصحيفة فيها ستون حديثا.
[ ٣٠٢ ]
لرجعت ولم تسأله عنها وسمعتها، يسأله الناس فيكفونك.
ولما مات ابن عباس قال محمد بن الحنفية: "مات رباني هذه الأمة".
وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ما رأيت أحدا أعلم بالسنة، ولا أجلد رأيا، ولا أثقب نظرا حين ينظر مثل ابن عباس، وإن كان عمر بن الخطاب ليقول له: "قد طرأت علينا عضل أقضية أنت لها ولأمثالها".
وقال ابن عباس: كان عمر بن الخطاب يسألني مع الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ.
وقال طاووس: أدركت نحوا من خمسين من أصحاب رسول الله ﷺ إذا ذكر ابن عباس شيئا فخالفوه، لم يزل بهم حتى يقررهم، يعني أنه كان واسع الرواية قوي الحجة.
وقال الأعماش: "كان ابن عباس إذا رأيته قلت أجمل الناس؛ فإذا تكلم قلت أفصح الناس، فإذا حدث قلت أعلم الناس".
وتوفي ﵁ سنة ثمان وستين على الصحيح بالطائف.
[ ٣٠٣ ]