كان للمدينة منزلة خاصة باعتبارها دار الهجرة، التي نزل فيها التشريع، وشهدت ما كان من رسول الله ﷺ قولا أو فعلا. وعاش فيها
[ ٢٩١ ]
الخلفاء الراشدون؛ فأصبحت مهد السنة، ومنبع الحديث، وملتقى الصحابة، وهذا يجعل أهلها أثبت الناس بالفقه، وأشدهم تمسكا بالرواية، ووقوفا عند الآثار.
ومدرسة المدينة فوق هذا تستقي منهجها من شيوخها الأوائل الذين في مقدمتهم زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر ﵃ جميعا، وقد عرف ابن عمر بحرصه الشديد على تتبع آثار الرسول ﷺ، والاعتزاز به، وتأثر بهذا المنهج تلاميذه الذين حملوا لواء العلم بهذه المدرسة، وفي مقدمتهم: سعيد ابن المسيب الذي أكب على جمع الآثار، وفتاوى الصحابة، وحفظ كثيرا منها، وقيل فيه: إنه أعلم الناس بما تقدمه من الآثار، وأفقههم في رأيه، وعن ميمون ابن مهران قال: أتيت المدينة؛ فسألت عن أفقه أهلها، فدفعت إلى سعيد فسألته.
ومن هذه المدرسة: الشعبي الذي يقول: ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله ﷺ، فخذوه وما كان من رأيهم فاطرحوه، في الحش١.
ومذهب مدرسة أهل الحديث: أنهم إذا سئلوا عن شيء، فإن عرفوا فيه آية أو حديثا أفتوا، وإلا توقفوا.
روي عن رجل سأل سالم بن عبد الله بن عمر عن شيء فقال: لم أسمع في هذا شيئا؛ فقال له الرجل: فأخبرني أصلحك الله برأيك، قال: لا، ثم أعاد عليه فقال، إني أرضي برأيك؛ فقال سالم: إني لعلي إن أخبرتك برأيي ثم تذهب فأرى بعد ذلك رأيا غيره فلا أجدك.
وترجع أسباب وقوف أهل الحجاز عند النصوص إلى الأمور الآتية:
_________________
(١) ١ الحش: مكان قضاء الحاجة، وأصله أنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين. والشعبي هو عامر بن شراحيل الشعبي، ولد بالكوفة، ونشأت ومات بها؛ ولكنه أتى المدينة وأقام بها فترة، وروي عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد الله، والنعمان بن بشير، وأبي هريرة، وغيرهم "طبقات ابن سعد ج٦ ص ٢٤٦".
[ ٢٩٢ ]
١- تأثر مدرستهم بالمنهج الذي التزمه علماؤهم كما ذكرنا في حرصهم على الأحاديث والآثار، وتجنبهم الأخذ بالرأي، وإعمال القياس، إلا إذا كانت هناك ضرورة ملجئة وربما امتنعوا عن الإفتاء في المسألة التي لا يوجد لها دليل من كتاب أو سنة أو أثر.
٢- ما لديهم من ثروة كبيرة لدى الصحابة الذين استوطن أكثرهم الحجاز عامة والمدينة خاصة، من أحاديث وآثار تفي بحاجتهم في الاستدلال، وتغنيهم عن إعمال الرأي.
٣- يسر الحياة لدى أهل الحجاز، وقلة مشاكلهم؛ حيث كانوا على الفطرة الأولى بمنأى عما تحدثه المدينة الفارسية أو اليونانية من تفريع للمسائل، وكان الناس يعيشون على الحالة التي كانوا يعيشون عليها في عهد رسول الله ﷺ، وليس هناك من الحوادث المستجدة سوى القليل النادر.
٤- بعدهم عن مواطن الفتنة، وبواعث النزاع بالنسبة لما كان عليه الأمر في العراق؛ فقد سلموا من بدعة الخوارج والتشيع وأهل الأهواء وظل تراث الحديث والأثر محفوظا لديهم، لا تشوبه ريبة، ولا يتطرق إليه تهمة الوضع. ومن مميزات هذه المدرسة:
١- كراهيتهم لكثرة السؤال. وفرض المسائل، وتشعب القضايا؛ فالحكم ينبني على قضية واقعية، لا على قضية مفترضة، والنص يدل على الحكم، فلا يبحث عن علل الأحكام وربط الحكم بها وجودا وعدما.
٢- الاعتداد بالحديث والوقوف عند الآثار؛ فالعلم هو علم الكتاب والسنة والآثر. والعناية بحفظ ذلك عناية بأصل التشريع ومصادر الفقه، والواجب الديني يفرض صيانة هذا التراث.
وكان بين أهل الرأي وأهل الحديث، منافسة شديدة، وعاب كل فريق منهم طريقة الآخر، وإن كان من بين الحجازيين من يميل إلى الرأي، كربيعة بن عبد الرحمن شيخ الإمام مالك. أخرج مالك في الموطأ عن ربيعة، قال: سألت سعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل، قلت: ففي
[ ٢٩٣ ]
إصبعين؟ قال: عشرون، فقلت: ففي ثلاث؟ قال: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون، قلت: حين عظم جرحها، واشتدت مصيبتها نقص عقلها؟ فقال له سعيد: أعراقي أنت؟ قال ربيعة: بل عالم مستثبت، أو جاهل متعلم، فقال سعيد: هي السنة، يشير بهذا إلى ما أخرجه النسائي عن النبي ﷺ فإن "عقل المرأة مثل عقل الرجل، حتى تبلغ الثلث من ديتها"، ومع ورود النص لا مجال للعقل، ولذلك عاب سعيد على ربيعة، ما يعيبه على العراقيين يومئذ من تحكيم العقل في النصوص.
[ ٢٩٤ ]