ربما كان عمر بن الخطاب أكثر الصحابة فقها للنص، واجتهادا في فهمه، وإقداما على إبداء الرأي فيه، والمشكلات التي اعترضت الصحابة واجتهدوا فيها، تعطي لعمر بن الخطاب ﵁ هذه الميزة في أكثر من موضع، وإن كان قد حرص على استشارة الصحابة والتريث في الأمور.
فعن الشعبي قال: كانت القضية ترفع إلى عمر بن الخطاب ﵁، فربما تأمل في ذلك شهرا، ويستشير أصحابه، واليوم يفصل في المجلس مائة قضية.
وسار عبد الله بن مسعود ﵁ على طريقة عمر، وتأثر به آرائه، وروى عنه أنه قال: إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم. وجاء في "أعلام الموقعين" أن ابن مسعود كان لا يكاد يخالف عمر في شيء من مذهبه، وأنه قال: "لو أن الناس سلكوا واديا وشعبا، وسلك عمرا واديا وشعبا، لسلكت وادي عمر وشعبه".
وقال الشعبي: كان عبد الله لا يقنت، ولو قنت عمر لقنت عبد الله.
[ ٢٨٩ ]
وهذا يدل على أن ابن مسعود نهج منهج عمر في التفكير والاستنباط والرأي، حيث لا نص، وإن خالفه في مسائل كثيرة لم يتابعه فيها، لاجتهاده الخاص بما يرى أنه الحق.
وروي عن إبراهيم النخعي أنه كان لا يعدل بقول عمر وابن مسعود إذا اجتمعا، فإذا ختلفا كان قول عبد الله أعجب، لأنه كان ألطف.
وقد عرفت من قبل أن عمر بن الخطاب ﵁ أرسل عبد الله بن مسعود إلى أهل الكوفة ليعلمهم، وكانت حركته واسعة، ونهج تلاميذه من بعده نهجه، فاعتبرت مدرسة ابن مسعود بالعراق نواة لمدرسة الرأي، حتى نسب إليها بعض التابعين فقيل "ربيعة الرأي".
ويرجع انتشار مدرسة الرأي في العراق إلى الأمور الآتية:
١- تأثرهم بالصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁، الذي كان ينحى منحى عمر بن الخطاب، وأستاذ الكوفة -كما عرفنا- واطلاعهم على أقضية علي بن أبي طالب واجتهاداته مدة خلافته بينهم.
٢- كان الحديث في العراق قليلا إذا قيس إلى ما لدى أهل الحجاز، موطن الرسول ﷺ وكبار الصحابة؛ فإن عدد الصحابة الذين وفدوا على العراق كان قليلا بالنسبة إلى الصحابة الذي ظلوا في الحجاز.
٣- والعراق متاخم للفرس، واتصل بالحضارة الفارسية اتصالا وثيقا؛ وذلك من شأنه أن يحدث كثيرا من المسائل الجزئية، والمشاكل المتعددة التي تحتاج إلى إعمال الرأي وكثرة القياس، روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: "إني لأسمع الحديث الواحد فأقيس عليه مائة شيء"١.
٤- وكان العراق موطن الشيعة والخوارج، وعلى أرضه دارت الفتنة، ثم شاع الوضع في الحديث تأييدا للمذاهب السياسية، وهذا جعل علماءه في مدرسته.
_________________
(١) ١ جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ج٢ ص ٨٢ ط. دار الفكر.
[ ٢٩٠ ]
يقلون من رواية الحديث، ويتحفظون فيها، تحرزا من الوقوع في الأحاديث الموضوعة؛ فكانت الأحاديث التي يعول عليها لديهم قليلة، وهذا يدعوهم عند النظر في المسائل إلى القول بالرأي حيث لا نص.
[ ٢٩١ ]