اقتضت الحاجة إلى حل ما جد من مشكلات بعد الفتح الإسلامي في عصر الصحابة إلى اتساع دائرة الفقة، ولم يكن بد من أن يكون النظر لحل أي مشكلة جديدة في كتاب الله تعالى، لأنه أساس الدين، ووحي الله وكلامه المبين، فإذا لم يجدوا في القرآن كان النظر في سنة رسول الله ﷺ لأنها بيان للتنزيل، فإذا وردت أقضية لا يرون فيها نصا من كتاب الله أو سنة رسوله لجئوا إلى استشارة أهل الرأي من فقهاء الصحابة، فإذا اجتمع رأيهم على شيء كان القضاء به، وذلك هو ما يسمى بالإجماع.
وإذا كان رسول الله ﷺ قد أذن لصحابته في الاجتهاد أو أشار إليه، كما في حديث معاذ، فقدوجه الصحابة قضاتهم هذه الوجه كذلك إذا لم يجدوا الحكم في الكتابة والسنة.
وفي كتاب عمر بن الخطاب إلى شريح: "إذا وجدت شيئا في كتاب الله فاقض به، ولا تلتفت إلى غيره، وإن أتاك شيء ليس في كتاب الله، فاقض بما سن فيه رسول الله ﷺ، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يسن فيه رسول الله ﷺ فاقض بما أجمع عليه الناس، وإن أتاك ما ليس في كتاب الله، ولا سنة رسول الله ﷺ، ولم يتكلم فيه
[ ١٨٩ ]
أحد قبلك، فإن شئت أن تجتهد رأيك فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر، وما أرى التأخر إلا خيرا لك"١
وكانت طريقة أبي بكر وعمر على المنوال. قال أبو عبيد في كتاب القضاء: عن ميمون بن مهران "كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله ﷺ، فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس. هل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا أو بكذا، فإن لم يجد سنة سنها النبي ﷺ جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضي به، وكان عمر يفعل ذلك، فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة سأل: هل كان أبو بكر قضي فيه بقضاء، فإذا كان لأبي بكر قضاء قضى به، وإ لا جمع علماء الناس واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضي به" رواه البغوي والدارمي.
وعن عبد الله بن أبي يزيد قال: "رأيت ابن عباس إذا سئل عن شيء هو في كتاب الله قال به، فإن لم يكن في كتاب الله، وقاله رسوله ﷺ قال به، فإن لم يكن في كتاب الله، ولم يقله رسول الله ﷺ، وقاله أبو بكر أو عمر قال به، وإلا اجتهد رأيه"٢.
وعن عبد الله بن مسعود، قال: أتى علينا زمان لسنا نقضي ولسنا هنالك، وإن الله قد قدر من الأمر أن قد بلغنا ما ترون، فمن عرض له قضاء فليقض فيه بما في كتاب الله ﷿، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض فيه بما قضى به رسول الله ﷺ، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله ولم يقض فيه رسول الله ﷺ، فليقض بما قضى به الصالحون،
_________________
(١) ١ رواه ابن عبد البر في الجامع بيان العلم وفضله باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة - جـ٢. ورواه الدارمي. ٢ رواه ابن عبد البر - الباب السابق.
[ ١٩٠ ]
ولا يقل لي إني خائف، وإني أرى، فإن الحرام بين، والحلال بين وبين ذلك أمور مشتبهة، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك"١
وبذلك كانت مصادر الفقه في هذا العصر أربعة: الكتاب والسنة، والإجماع، والقياس.
_________________
(١) ١ أخرجه الدارمي.
[ ١٩١ ]