تدخل الأرض في البلاد المفتوحة عنوة في عموم الغنيمة التي قال الله فيها:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ١
ويقضي هذا أن تقسم الأرض المفتوحة قسم الغنائم، فيكون أربعة أخماسها للغزاة، والخمس للمصالح العامة المذكورة في الآية.
ولما فتحت الفتوحات في زمن عمر سأله الصحابة قسمة الأرص التي فتحت عنوة بين الغانمين، ولكن عمر رأي مستقبل المسلمين في هذه البلاد، وما تحتاجه من نفقات في إدارتها، وتنظيم شئونها، وتحقيق مصالح الناس فيها، يستدعى التفكير في إبقاء هذه الأرض دون أن تقسم، حتى يبقى لمن يجيء بعد الغانمين شيء، وذلك بوقفها على مصالح المسلمين، لهذا رأي عمر ترك الأرض لأهلها على أن يوضع عليهم ما يحتملون من خراج، تكون منه أعطيات للمسلمين، وما يحتاجون إليه من نفقات للجند والقضاة، والعمال، وسد حاجة المعوزين من
_________________
(١) ١ الأنفال: ٤١.
[ ٢٠٠ ]
اليتامي والمساكين، ووافق عمر على رأيه جماعة من الصحابة، منهم عثمان، وعلى، ومعاذ بن جبل، وطلحة، وخالفه آخرون منهم: عبد الرحمن بن عوف، وعمار بن ياسر، وبلال، ورأوا أن تخمس الأرض، ويقسم أربعة أخماسها على الغزاة، والخمس لمن ذكروا في كتاب الله تمسكا بآية الغنيمة.
وقد حاول بعض الفقهاء تبرير فعل عمر كما رواه أبو يوسف في الخراج، وذلك لقول الله تعالى:
﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ ١، ونقل عن عمر أنه قال في هذه الآية: "فكيف أقسم لكم وأدع من يأتي بغير قسم، فأجمع على تركه، وجمع خراجه وإقراره في أيدي أهله، ووضع الخراج على أيديهم والجزية على رؤوسهم.
وقد أورد أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال، الروايات الواردة في ذلك ٢، وقال: وجدنا الآثار عن رسول الله ﷺ والخلفاء بعده قد جاءت في افتتاح الأرضين بثلاثة أحكام: أرض أسلم عليها أهلها، فهي لهم ملك أيمانهم، وهي أرض عشر لا شيء عليهم فيها غيره٣، وأرض افتتحت صلحا على خرج معلوم، فهم على ما صولحوا عليه لا يلزمهم أكثر منه. وأرض أخذت عنوة فهي التي اختلف فيها المسلمون، فقال بعضهم: سبيلها سبيل الغنيمة فتخمس وتقسم، فيكون أربعة أخماسها خططا بين الذين افتتحوها خاصة، ويكون الخمس الباقي لمن سمى الله ﵎، وقال بعضهم: بل حكمها والنظر فيها إلى الإمام، إن رأي أن يجعلها غنيمة فيخمسها ويقسمها، كما فعل رسول الله ﷺ بخيبر، فذلك له، وإن رأي أن يجعلها فيئا فلا يخمسها ولا يقسمها، ولكن تكون موقوفة على المسلمين عامة ما بقوا كما صنع عمر بالسواد.
_________________
(١) ١ الحشر: ٨- ١٠. ٢ انظر كتاب فتح الأرضين صلحها وسننها وأحكامها باب "فتح الارض تؤخذ عنوة" بالجزء الأول.
(٢) المراد الزكاة، وهو العشر إذا كانت تسقي بماء السيح، أو نصفه إذا كانت تسقى بالسقاية.
[ ٢٠١ ]
وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر يقول. لولا آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر" رواه البخاري. وهذا يعني أن ترك عمر قسمة السواد كان باجتهاد منه.
وقال بلال لعمر بن الخطاب في القرى التي افتتحها عنوة: اقسمها بيننا وخذ خمسها، فقال عمر: لا، هذا عين المال، ولكني أحبسه فيما يجري عليهم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه: اقسمها بيننا، فقال عمر: اللهم اكفني بلالا وذويه.
فكان حكم عمر في السواد وغيره أن جعله فيئا موقوفا على المسلمين ما تناسلوا، ولم يخمسه. وهذا الرأي الذي أشار به عليه علي بن أبي طالب ﵁، ومعاذ بن جبل ﵀.
وبهذا أخذ الإمام مالك فقد ذهب إلى أن الأرض المفتوحة لا تقسم، بل تكون وقفا يقسم خراجها في مصالح المسلمين من أرزاق المقاتلة، وبناء القناطر والمساجد وغير ذلك من سبل الخير، إلا أن يرى الإمام في وقت من الأوقات ان المصلحة تقتضي القسمة، فإن له أن يقسم الأرض. وحكى هذا القول ابن القيم عن جمهور الصحابة ورجحه، وقال: إنه الذي كان عليه سيرة الخلفاء الراشدين.
فالخيار في أرض العنوة إلى الإمام، إن شاء جعلها غنيمة فخمس وقسم، وإن شاء جعلها فيئا عاما للمسلمين ولم يخمس ولم يقسم.
قال أبو عبيد: وكلا الحكمين فيه قدوة ومتبع من الغنيمة والفيء، إلا أن الذي اختاره من ذلك يكون النظر فيه إلى الإمام، كما قال سفيان، وذلك أن الوجهين جميعا داخلان فيه، وليس فعل النبي ﷺ براد لفعل عمر، ولكنه ﷺ اتبع آية من كتاب الله ﵎ فعمل بها، واتبع عمر آية أخرى فعمل بها، وهما آيتان محكمتان فيما ينال المسلمون من أموال المشركين، فيصير غنيمة أو فيئا، قال اللن ﵎:
[ ٢٠٢ ]
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل﴾ ١.
فهذه آية الغنيمة، وهي لأهلها دون الناس، وبها عمل النبي ﷺ، وقال الله ﷿:
﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ٢. فهذه آية الفيء، وبها عمل عمر، وإياها تأول حين ذكر الأموال وأصنافها، وإلى هذه الآية ذهب على ومعاذ حين أشاروا عليه بما أشارا، فيما نرى. والله أعلم.
والذي أورده أبو يوسف في الخراج في "فصل الفيء والخراج" يوضح هذا المعنى الأخير الذي أورده أبو عبيد في تأويل عمر لآية الفيء. فقد روى أبو يوسف عن محمد بن إسحاق عن الزهري أن عمر بن الخطاب ﵁ استشار الناس في السواد - أي أرض العراق - حين افتتح، فرأى عامتهم أن يقسم. وكان بلال بن رباح من أشدهم في ذلك، وكان رأي عمر ﵁ أن يتركه ولا يقسمه، فقال: اللهم اكفني بلالا وأصحابه، ومكثوا في ذلك يومين أو ثلاثة أو دون ذلك. ثم قال عمر ﵁: إني قد وجدت حجة.
_________________
(١) ١ الأنفال: ٤١. ٢ الحشر: ٧- ١٠.
[ ٢٠٣ ]
قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،﴾ ١ حتى فرغ من شأن بني النضير، فهذه عامة في القرى كلها، ثم قال الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ،﴾ ٢ ثم قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون﴾ ٣ ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٤ فهذا فيما بلغنا والله أعلم للأنصار خاصة ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ،﴾ ٥ فكانت هذه عامة لمن جاء بعدهم. فقد صار هذا الفيء بين هؤلاء جميعا، فكيف نقسم لهؤلاء وندع من تخلف بعدهم بغير قسم؟ فأجمع على تركه وجمع خراجه.
قال أبو يوسف: والذي رأي عمر ﵁ من الامتناع من قسمة الأرضين بين من افتتحها عندما عرفه الله ما كان في كتابه من بيان ذلك توفيقا من الله كان له فيما صنع وفيه كانت الخيرة لجميع المسلمين وفيما رآه من جمع خراج ذلك وقسمته بين المسلمين عمود النفع لجماعتهم، لأن هذا لو لم يكن موقوفا.
_________________
(١) ١ الحشر: ٦. ٢ الحشر: ٧. ٣ الحشر: ٨. ٤ الحشر: ٩. ٥ الحشر: ١٠.
[ ٢٠٤ ]
على الناس من الأعطيات والأرزاق لم تشحن الثغور ولم تقو الجيوش على السير في الجهاد، ولما أمن رجوع أهل الكفر إلى مدنهم إذا خلت من المقاتلة والمرتزقة، والله أعلم بالخير حيث كان.
ونقل أبو عبيد رأيا آخر، وهو أن عمر ﵁ إنما فعل ذلك برضا من الذين افتتحوا الأرض حيث استطاب نفوسهم، فإن الأرض حق الغانمين بنص الآية، فلولا أن عمر استطاب نفوسهم لما وسعه أن يحرمهم حقهم.
[ ٢٠٥ ]