ومما ينسب إلى عمر جمع الناس على صلاة التراويح في رمضان.
وقد جاء قيام رمضان عن النبي ﷺ، وصلى رسول الله بصحابته جماعة، ثم ترك ذلك مخافة أن تجب عليهم.
وقد صلاها الناس فرادي في زمن الرسول ﷺ وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر، فخرج عمر ليلة فرأى الناس أوزاعا يصلون في المسجد، فقال: لو جمعتهم على إمام، فأمر أبي بن كعب فصلى بهم، ثم خرج ليلة أخرى فرآهم مجتمعين على أبي بن كعب فسر بهم.
كما ينسب إليه زيادة النفل في رمضان أو غيره على إحدى عشرة ركعة إلى عشرين ركعة أو أكثر، وهذا أمر لم يتم الاتفاق عليه.
[ ٢٠٩ ]
ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خرج من جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج رسول الله ﷺ في الليلة الثانية فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة، عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضي صلاة الفجر أقبل على الناس ثم تشهد فقال: "أما بعد فإنه لم يخف على شأنكم الليلة، ولكن خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها".
وفي رواية لمسلم: "وذلك في رمضان" وفي رواية البخاري: "فتوفى رسول الله ﷺ والأمر على ذلك".
وروى البخاري عن عبد الرحمن بن عبد القاريء أنه قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله" ١
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة. وإن كانت مما يندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح، وقد تنقسم إلى الأقسام الخمسة".
ولمالك في الموطأ عن يزيد بن رومان قال: "كان الناس في زمن عمر يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة".
_________________
(١) ١ القاري: بتشديد الياء، ينسب إلى القارة، وهي قبيلة مشهورة بجودة الرمي.
[ ٢١٠ ]
وأخرج البخاري وغيره عن عائشة قالت: "ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا".
وقد استنبط عمر من تقرير النبي ﷺ من صلى معه في الليالي الثلاث مشروعية التجمع لصلاة التراويح، وإنما كره الرسول ﷺ ذلك لهم خشية أن تفرض عليهم، فلما مات النبي ﷺ حصل الأمن من ذلك، وترجح لدى عمر التجمع، لما في الاختلاف من افتراق الكلمة، ولأن الاجتماع على واحد انشطة لكثير من المصلين.
وإلى قول عمر جنح الجمهور وعن مالك في إحدى الروايتين وأبي يوسف وبعض الشافعية: الصلاة في البيوت أفضل عملا بعموم قوله ﷺ فيما رواه مسلم "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
[ ٢١١ ]