أفتى عمر بن الخطاب بأن المبتوتة لها النفقة ولها السكنى ولما بلغه حديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها نفقة ولا سكنى بعد الطقة الثالثة، قال: "لا نترك كتاب ربنا لقول امرأة لعلها حفظت أو نسيت".
[ ٢١٣ ]
وكتاب الله قوله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة﴾ ١. وأفتى غيره بألا نفقه لها ولا سكنى، احتجاجا بحديث فاطمة بنت قيس، وقد جاء فيه، إن زوجها طلقها البتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له؛ فقال: "ليس لك عليه نفقة ولا سكنى". فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك.
وأفتى آخرون بألا نفقة لها ولا سكنى إلا إذا كانت حاملا لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ٢.
وتحقيق هذه المسألة، أنه إذا طلق الرجل زوجه؛ فإما أن يكون الطلاق رجعيا أو بائنا، فإن كان الطلاق رجعيا كان لها النفقة والسكنى بلا خلاف؛ لأن ملك النكاح قائم، وإن كان الطلاق بائنا وكانت حاملا فلها النفقة إجماعا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ﴾، واختلفوا إذا كانت مبتوتة غير حامل.
والثابت أنه ما كان للمطلقة المبتوتة نفقة ولا سكنى لا في عهد رسول الله ﷺ ولا في عهد أبي بكر، لحديث فاطمة بنت قيس، روى مسلم ومالك في الموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي عن فاطمة بنت قيس ﵂: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب؛ فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له، فقال: "ليس لك عليه نفقة". وفي رواية "لا نفقة لك ولا سكنى" وفي رواية: "فخاصمته إلى رسول الله ﷺ في السكنى والنفقة، قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة".
ولكن عمر ﵁ فهم من عموم قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ، لا
_________________
(١) ١ الطلاق: ١. ٢ الطلاق: ٦.
[ ٢١٤ ]
تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنّ﴾ ٢. فهم عمر من هاتين الآيتين أن لا فرق بين رجعية ومبتوتة، فجعل للمبتوتة النفقة السكنى، ولما بلغه أن فاطمة بنت قيس تحدث أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها نفقة ولا سكنى، قال: "لا نترك كتاب ربنا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، قال الله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِن﴾ ٣.
وما جاء في بعض الروايات من زيادة "وسنة نبينا" غير صحيح، فإن السنة الثابتة في حديث فاطمة أن النبي ﷺ لم يجعل لها نفقة ولا سكنى، ووافق عمر على ذلك بعض الصحابة كعائشة وابن مسعود وابن عمر، وخالفه آخرون.
وبرأي عمر أخذ أبو حنيفة، وقال مالك والشافعي: لها السكنى دون النفقة، وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور وابن أبي ليلى لا نفقة لها ولا سكني لأن الآية لا تتناول المطلقة البائنة.
_________________
(١) ١ الطلاق: ١. ٢ الطلاق: ٦. ٣ رواه مسلم ومالك وأبو داود والنسائي والترمذي.
[ ٢١٥ ]