اتفق المؤرخون للقرن التاسع الهجري ممن ترجم للإمام علاء الدين المرداوي على نسبة كتاب "تحرير المنقول" له، وأنه هو الذي ألفه وحرره، فلا يوجد شك في نسبته إليه، كما اتفقوا أيضًا على أن كتاب "التحرير" هذا كتاب في أصول الفقه.
كذلك من يطالع مخطوطة الكتاب المحفوظة بدار الكتب المصرية (١) -حرسها اللَّه- يجد أن نسبته إلى مؤلفه واضحة على طُرَّة الكتاب؛ فقد كتب عليه: "تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول، تأليف شيخنا الإمام العلامة البحر الحبر الفهامة ذي الدين الشامخ والعلم الراسخ علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان بن أحمد بن محمد المرداوي الحنبلي المقدسي متع اللَّه تعالى المسلمين ببقائه، وختم له بخير العزية".
كما ذكره أيضًا الذين عُنوا بذكر كتب السادة الحنابلة في أصول الفقه (٢)؛ فهي نسبة صحيحة تواتر جميع المؤرخين عليها.
ولكن عنوان الكتاب قد اختلفت فيه الأقوال اختلافًا يسيرًا؛ فبعضهم ذكره بعنوان: (تحرير المنقول في تهذيب -أو تمهيد- علم الأصول) (٣)، وبعضهم سماه:
_________________
(١) وسيأتي ذكر بياناتها مفصلة عند الحديث عن مخطوطات الكتاب.
(٢) راجع مثلا: المدخل لابن بدران ص (٤٦١)، ط. مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثالثة سنة ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م بتحقيق الدكتور/ عبد اللَّه التركي، المدخل المفصل للدكتور/ بكر أبي زيد (٢/ ١٠٥٣)، ط. دار العاصمة - الرياض، الطبعة الأولى سنة ١٤١٧ هـ / ١٩٩٧ م.
(٣) انظر: الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع للسخاوي (٥/ ٢٢٦)، ط. منشورات دار مكتبة الحياة - بيروت، معجم الكتب لابن المبرد ص (١٠٨)، ط. مكتبة ابن سينا بالقاهرة بتحقيق يسري عبد الغني البشري، السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة لابن حميد ص (٢٩٧)، ط. مكتبة الإمام أحمد، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٩ هـ / ١٩٨٩ م. وكذا ذكره صاحب "مفاتيح الفقه الحنبلي" (٢/ ١٧٤ - ١٧٥)، الطبعة الثانية ١٤٠٢ هـ / ١٩٨٢ م.
[ ١٠ ]
(تحرير المنقول في تهذيب -أو تمهيد- الأصول) (١)، وبعضهم قال: (تحرير المنقول في تهذيب علم الأصول) (٢)، وبعضهم: (تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول) (٣)، أو: (تحرير المنقول وتهذيب الأصول) (٤)، أو: (تحرير المنقول في تمهيد علم الأصول) (٥)، أو: (تحرير المنقول وتمهيد علم الأصول) (٦)، أو: (تحرير المنقول في علم الأصول) (٧)، واكتفى البعض بتسميته: (تحرير المنقول) (٨)، أو: (التحرير في أصول الفقه) (٩). . . . . . . .
_________________
(١) انظر: المذهب الحنبلي للدكتور/ عبد اللَّه بن عبدالحسن التركي (٢/ ٤٥٩)، ط. مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م.
(٢) انظر: معجم الكتب ص (١٠٨).
(٣) انظر: شرح الكوكب المنير لابن النجار الفتوحي (١/ ٢٨)، ط. مكتبة العبيكان بالرياض، الطبعة الثانية سنة ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٧ م، بتحقيق الدكتور/ محمد الزحيلي، والدكتور/ نزيه حماد، المدخل لابن بدران ص (٤٦١)، تاريخ الأدب العربي، لكارل بروكلمان: القسم السادس ص (٤٣٣)، ترجمة د/ محمود فهمي حجازي، د/ حسن محمود إسماعيل، ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة سنة ١٩٩٥ م، وكذا ذكره صاحب "المدخل المفصل" (٢/ ١٠٥٣). وهو العنوان الموجود على طرة مخطوطة دار الكتب المصرية لوحة (١/ ب).
(٤) انظر: كشف الظنون لحاجي خليفة (١/ ٣٥٧)، ط. دار الكتب العلمية - بيروت، سنة ١٤١٣ هـ/ ١٩٩٢ م، هدية العارفين بأسماء المؤلفين وآثار المصنفين لإسماعيل باشا البغدادي (١/ ٧٣٦)، مطبوع مع كشف الظنون بدار الفكر - بيروت ١٤٠٢ هـ / ١٩٨٢ م.
(٥) انظر: معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة (٧/ ١٠٢)، ط. مكتبة المثنى - بيروت/ دار إحياء التراث العربي - بيروت، بدون تاريخ.
(٦) انظر: تاريخ الأدب العربي، لكارل بروكلمان: القسم السادس ص (٤٣٣).
(٧) انظر: طُرَّة مخطوطة مكتبة مكة المكرمة التابعة لوزارة الشئون الإسلامية والأوقاف بالسعودية، تحت رقم (١٣) أصول الفقه.
(٨) انظر: الأعلام للزركلي (٤/ ٢٩٢)، ط. دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة السابعة ١٩٨٦ م.
(٩) انظر: المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد للعليمي (٥/ ٢٩١)، بتحقيق عبد القادر الأرناؤوط، حسن إسماعيل مروة، ط. دار صادر - بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩٧ م، شذرات =
[ ١١ ]
وربما: (التحرير في الأصول) (١).
وهذا الاختلاف غير مؤثر؛ فهم متفقون على أصل العنوان، وهو (تحرير المنقول)، أما اختلافهم فيما عداه فلا يضر، ويبدو لنا أنه من باب حكاية عنوان الكتاب بالمعنى، طالما أنهم متفقون على أصل عنوانه.
وقد أرجع محققو كتاب "التحبير في شرح التحرير" للمرداوي -وهو شرح من المؤلف لكتابه هذا- الاختلاف في عنوان الكتاب إلى أن مؤلفه وإن كان قد فرغ من تأليف كتابه هذا في الرابع عشر من شهر شوال سنة (٨٧٧ هـ) (٢)، إلا أنه ظل يراجعه ويحرره حتى قبيل وفاته، ويدل على ذلك أن الكتاب قوبل عليه في الحادي عشر من شهر رجب سنة (٨٨٤ هـ) (٣). قالوا: "وقد تسبَّب هذا الأمر في اختلاف المترجمين للمرداوي في تسمية هذا المتن المشهور، تبعًا لاختلاف ما اطلعوا عليه من نُسَخِه". (٤)
ولكن هذا لو صدق على بعض التسميات؛ فلا يصدق عليها كلها؛ فمثلا إطلاق: (تحرير المنقول)، و(التحرير في أصول الفقه)، و(التحرير في الأصول) على
_________________
(١) = المذهب لابن العماد (٤/ ٣٤١)، ط. دار الكتب العلمية - بيروت، بدون تاريخ، مختصر طبقات الحنابلة للشطي ص (٧٧)، ط. دار الكتاب العربي بيروت، بعناية فواز الزمرلي، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ / ١٩٨٦ م.
(٢) انظر: الجوهر المنضد لابن عبد الهادي ص (١٠٠)، ط. مكتبة الخانجي بالقاهرة، بتحقيق د/ عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٧ هـ / ١٩٨٧ م.
(٣) راجع: المنهج الأحمد للعليمي (٥/ ٢٩١).
(٤) انظر: مخطوطة دار الكتب المصرية: الورقة (٧٧/ أ).
(٥) راجع: مقدمة التحقيق لكتاب التحبير شرح التحرير للمرداوي (١/ ٩١)، ط. مكتبة الرشد بالرياض، بتحقيق الدكاترة/ عبد الرحمن بن عبد اللَّه الجبرين، عوض بن محمد القرني، أحمد بن محمد السراح، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠٠ م.
[ ١٢ ]
الكتاب لا يمكن اعتباره مبنيًا على اختلاف النسخ، وإنما واضح أنه من باب الاختصار وحكاية عنوان الكتاب بالمعنى لشهرته.
وأيًّا ما كان سبب هذا الاختلاف اليسير في عنوان الكتاب؛ فإننا نرجح تسميته بـ (تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول) حيث إن هذا الاسم هو الموجود على نسخة دار الكتب المصرية التي هي أصح نسخة للكتاب -كما سيأتي، كما أنها نُسخت سنة (٨٨٦ هـ) أي بعد وفاة المؤلف بحوالي العام.
وقد جاء في آخرها: "وكتبت هذه النسخة من نسخة كُتبت من أصل المصنف -تغمده اللَّه تعالى برحمته- وقابلها كاتبها على المصنف مرارًا، آخرها في حادي عشر شهر رجب الفرد سنة أربع وثمانين وثمانمائة، وهي المعتمدة، وللَّه الحمد والشكر على كل حال، والحمد للَّه وحده" اهـ (١).
ولعل هذه التسمية أيضًا متفقة مع ما قالدالمرداوي نفسه عن كتابه؛ حيث قال في مقدمته: "أما بعد فهذا مختصرٌ في أصول الفقه، جامعٌ لمعظم أحكامه، حاوٍ لقواعده وضوابطه وأقسامه، مشتملٌ على مذاهب الأئمة الأربعة الأعلام وأتباعهم وغيرهم، ولكن على سبيل الإعلام، اجتهدتُ في تحرير نُقوله وتهذيب أصوله" (٢).
وقد فرغ المرداوي من تأليف هذا الكتاب -كما سبقت الإشارة - في الرابع عشر من شهر شوال سنة سبع وسبعين وثمانمائة (٨٧٧ هـ) (٣)، إلا أنه ظل يراجعه ويحرره ويهذبه -كما هي عادته كما سيتضح من ترجمته- حتى قبل وفاته بقليل (شهر رجب سنة أربع وثمانين وثمانمائة ٨٨٤ هـ)، وكانت وفاته في شهر جمادى الأولى سنة خمس وثمانين وثمانمائة (٨٨٥ هـ).
_________________
(١) مخطوطة دار الكتب المصرية: الورقة (٧٧/ أ).
(٢) مخطوطة دار الكتب المصرية: الورقة (٢/ أ).
(٣) راجع: المنهج الأحمد (٥/ ٢٩١).
[ ١٣ ]