بدأ المرداوي بتحصيل العلوم الشرعية من مشايخ بلده "مَرْدا" فأخذ الفقه عن فقيهها الشهاب أحمد بن يوسف المرداوي، ثم خرج من بلده وهو شاب، فأقام بمدينة "الخليل" بزاوية الشيخ عمر المجرَّد ﵀، وقرأ بها القرآن، ثم قدم إلى "دمشق" ونزل بمدرسة الشيخ أبي عمر بالصالحية -التي كانت مأوى العلماء وموطن الصلحاء في ذلك العهد- وذلك قرابة سنة (٨٣٨ هـ)، وجوَّد القرآن، ويقال: إنه قرأه بالروايات. وقرأ "المقنع" تصحيحًا على أبي الفرج عبد الرحمن بن
_________________
(١) انظر: الضوء اللامع (٥/ ٢٢٥).
(٢) انظر: البدر الطالع (١/ ٤٤٦).
(٣) راجع: الضوء اللامع (٥/ ٢٢٥)، شذرات الذهب (٤/ ٣٤٠ - ٣٤١)، البدر الطالع (١/ ٤٤٦).
(٤) انظر: الجوهر المنضد ص (١٠١).
[ ٢٧ ]
إبراهيم الطرابلسي وحفظه وغيره، كالألفية. وأدمن الاشتغال بالعلم وتجرع فاقةً وتقللا، واجتمع بالمشايخ وجدَّ في الاشتغال.
وتفقه على الشيخ تقي الدين بن قندس البعلي شيخ الحنابلة في وقته (المتوفى سنة ٨٦١ هـ)، ولازمه في الفقه وأصوله والعربية وغيرها، وكان مما قرأه عليه بحثًا وتحقيقًا "المقنع" في الفقه، و"مختصر الطوفي" في الأصول، و"ألفية ابن مالك". وكذا أخذ الفقه والنحو عن الزين عبد الرحمن أبي شَعَر (المتوفى سنة ٨٤٤ هـ)، بل سمع منه التفسير للبغوي مرارًا، وقرأ عليه سنة (٨٣٨ هـ) من شرح ألفية العراقي إلى الشاذ، وأخذ علوم الحديث أيضًا عن ابن ناصر الدين الدمشقي (المتوفى سنة ٨٤٢ هـ)، وسمع عليه منظومته وشرحها بقراءة شيخه التقي. وأخذ الأصول أيضًا عن أبي القاسم الفويري حين لقيه بمكة، فقرأ عليه قطعة من كتاب ابن مفلح فيه، بل وسمع في العضد عليه، والفرائض والحساب والوصايا عن الشمس محمد بن إبراهيم السيلي خازن الضيائية، وانتفع به في ذلك جدًّا، ولازمه في ذلك أكثر من عشر سنين، بل وقرأ عليه "المقنع" في الفقه بتمامه بحثًا، والعربية والصرف وغيرهما عن أبي الروح عيسى البغدادي الحنفي نزيل دمشق، والحسن بن إبراهيم الصفدي ثم الدمشقي الحنبلي الخياط (المتوفى سنة ٨٥٨ هـ) وغيرهما، وقرأ "البخاري" وغيره على أبي عبد اللَّه محمد بن أحمد الكركي الحنبلي، وسمع زين الدين بن الطحان (المتوفى سنة ٨٤٥ هـ)، وشهاب الدين بن عبد الهادي، وغيرهما.
وحج مرتين وجاور فيهما، وسمع هناك على أبي الفتح المراغي (المتوفى سنة ٨٥٩ هـ)، وحضر دروس برهان الدين بن مفلح (المتوفى سنة ٨٨٤ هـ) وناب عنه. وكذا قدم بأخرة القاهرة، وأذن له قاضيها عز الدين الكناني (المتوفى سنة ٨٧٦ هـ) في سماع الدعوى مدة إقامته بالقاهرة، وأكرمه وأخذ عنه فضلاء أصحابه بإشارته، بل وحضهم على تحصيل كتابه "الإنصاف" وغيره من تصانيفه، وأذن لمن شاء اللَّه منهم، واجتمع عليه الطلبة والفقهاء، وانتفعوا به.
[ ٢٨ ]
وقرأ هو حينئذ على تقي الدين الشمني (المتوفى سنة ٨٧٢ هـ)، وتقي الدين الحصني (المتوفى سنة ٨٨١ هـ) المختصر الأصولي بتمامه، والفرائض والحساب يسيرًا على شهاب الدين السِّجيني (المتوفى سنة ٨٨٥ هـ)، وحضر دروس القاضي، ونقل عنه في بعض تصانيفه. وتصدَّى قبل ذلك وبعده للإقراء والإفتاء والتأليف ببلده وغيرها، فانتفع به الطلبة، وصار في جماعته في الشام فضلا.
وممن أخذ عنه في مجاورته الثانية بمكة قاضي الحرمين محيي الدين الحسني الفاسي (١).
وقد برع وفضل في فنون من العلوم، وانتهت إليه رياسة المذهب، وباشر نيابة الحكم دهرًا طويلا، فحسنت سيرته وعظم أمره (٢).
وكان حريصًا على جمع الكتب -التي هي عدة طالب العلم والمشتغل به، يقول تلميذه ابن عبد الهادي: "وحصَّل كتبًا كثيرة، وتحت يده خزانة كتب الوقف بمدرسة شيخ الإسلام" (٣)، يعني: مدرسة الشيخ أبي عمر بالصالحية.
ويقول السخاوي: "وأعانه على تصانيفه في المذهب ما اجتمع عنده من الكتب مما لعله انفرد به ملكًا ووقفًا" (٤).
_________________
(١) راجع: الضوء اللامع (٥/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، الجوهر المنضد ص (١٠٠ - ١٠١)، المنهج الأحمد (٥/ ٢٩٠ - ٢٩٢)، شذرات الذهب (٤/ ٣٤٠ - ٣٤١)، مختصر طبقات الحنابلة للشطي ص (٧٦).
(٢) راجع: المنهج الأحمد (٥/ ٢٩٠)، شذرات الذهب (٤/ ٣٤١)، مختصر طبقات الحنابلة للشطي ص (٧٦).
(٣) الجوهر المنضد ص (١٠١).
(٤) الضوء اللامع (٥/ ٢٢٧).
[ ٢٩ ]