حدَّد (٢) المرداوي في مقدمة كتابه المنهجَ الذي سار عليه فيه، فقال: "أما بعد فهذا مختصر في أصول الفقه، جامعٌ لمعظم أحكامه، حاوٍ لقواعده وضوابطه وأقسامه، مشتملٌ على مذاهب الأئمة الأربعة الأعلام وأتباعِهم وغيرِهم، ولكن على سبيل الإِعلام، اجتهدتُ في تحرير نُقوله وتهذيب أصوله، واللَّهُ المسئولُ لبلوغ المأمول، وأقدِّم الصحيح من مذهب الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- وأقوال أصحابه، ومرادي بالقاضي: أبو يعلى (٣)، وبأبي الفرج: المقدسي (٤)، وبالفخر: إسماعيل أبو محمد
_________________
(١) يعرَّف المنهج في البحوث العلمية بعبارة موجزة بأنه: "فن التنظيم الصحيح لسلسلة الأفكار العديدة إما من أجل الكشف عن الحقيقة حين نكون بها جاهلين، وإما من أجل البرهنة عليها للآخرين حين نكون بها عارفين". انظر: منهج البحث في الفقه الإسلامي: خصائصه ونقائصه، للدكتور/ عبد الوهاب أبو سليمان ص (١٥)، ط. المكتبة المكية، ودار ابن حزم - بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٦ م، نقلا عن: أزمة البحث العلمي في العالم العربي، لعبد الفتاح خضر ص (١٢)، ط. معهد الإدارة بالرياض سنة ١٤٠١ هـ/ ١٩٨١ م.
(٢) ينقسم الأصوليون بالنسبة للتصريح بمناهجهم في بداية مصنفاتهم إلى فريقين: فريق يختطُّ لنفسه -في مقدمة كتابه- خُطَّةً يسير عليها، ومنهجًا يلتزمه، كما فعل ابنُ السمعاني في "قواطع الأدلة"، والزركشي في "البحر المحيط"، والإسنويّ في "نهاية السول". وفريق لا يقدِّم لنفسه تقدمةً تفصح عن منهجه، ولا يصرح بخطة يلتزمها في مصنفه، ومن هؤلاء إمام الحرمين في كتابه "التلخيص"، وابنُ بَرْهان في كتابه "الوصول إلى الأصول"، والقاضي ناصر الدين البيضاوي في "منهاج الوصول"، والمصنف قد سلك هنا المسلك الأول، فبيَّن منهجه وحدده.
(٣) هو: القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء، كان عالم زمانه وفريد عصره وشيخ الحنابلة في وقته، له في الأصول والفروع القدم العالي. سمع الحسن بن حامد وغيره. ولاه القائم العباسي قضاء دار الخلافة والحريم وحران وحلوان. له: "العدة في أصول الفقه"، و"كتاب الروايتين والوجهين"، و"الأحكام السلطانية"، و"شرح الخرقي"، و"الجامع الصغير"، و"أحكام القرآن"، وغير ذلك. ولد سنة (٣٨٠ هـ)، وتوفي سنة (٤٥٨ هـ). راجع ترجمته في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ١٩٣ - ٢٣٠)، ط. دار المعرفة - بيروت، بدون تاريخ.
(٤) هو: أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي بن أحمد الشيرازي، المعروف بالمقدسي، تفقه بأبي يعلى، وأقام بالشام فنشر المذهب الحنبلي بها، وكانت له كرامات ظاهرة. من مؤلفاته: كتاب "الإيضاح"، =
[ ٢١ ]
البغدادي (١)، ورتبتُه على مقدمة وأبواب، مشتملة على فصول وفوائد وتنابيه (٢) " (٣).
فقد بيَّن المرداوي هنا أن موضوع كتابه هو أصول الفقه، وحدد معالم منهجه فيما يلي:
١ - الاختصار.
٢ - الجامعية.
_________________
(١) = و"المبهج" في الفقه، و"الإشارة"، و"التبصرة" و"البرهان" كلاهما في أصول الدين، و"الجواهر" في تفسير القرآن. توفي سنة (٤٨٦ هـ). راجع ترجمته في: طبقات الحنابلة (٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، سير أعلام النبلاء للذهبي (١٩/ ٥١ - ٥٣)، ط. مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة التاسعة ١٤١٣ هـ بتحقيق شعيب الأرناؤوط، وآخرين.
(٢) هو: فخر الدين أبو محمد إسماعيل بن علي البغدادي الحنبلي، يعرف بابن الوفاء، وبابن الماشطة، واشتهر بغلام ابن المَنِّي، كان فقيهًا أصوليًا، وله اليد الطولى في الأصلين وعلم الجدل وغيرهما من العلوم، تخرج على يديه جماعة من العلماء، منهم مجد الدين بن تيمية. من مؤلفاته: "جَنة الناظر وجُنة المناظر" في الجدل، و"نواميس الأنبياء"، و"تعليقة في الخلاف". ولد سنة (٥٤٩ هـ)، وتوفي سنة (٦١٠ هـ). راجع ترجمته في: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٢/ ٦٦ - ٦٨)، مطبوع مع طبقات الحنابلة، ط. دار المعرفة - بيروت، سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٢٨ - ٣٠).
(٣) تنابيه: جمع (تنبيه)،كـ "تنبيهات"، والتنبيه: هو إعلام ما في ضمير المتكلم للمخاطَب من (نبَّهته) بمعنى رفعته من الخمول، أو من (نبهته من نومه) بمعنى أيقظته من نوم الغفلة، أو من (نبهته على الشيء) أي وقفته عليه، ويستعمل التنبيه أيضًا فيما يكون الحكم المذكور بعده بديهيًا، ومصطلح (التنبيه) عند الأصوليين هو ما يعرف بـ (دلالة الإيماء) وهي: "اقتران الحكم بوصف لو لم يكن الوصف أو نظيره للتعليل كان الاقتران بعيدًا من فصاحة كلام الشارع". انظر: الكليات لأبي البقاء الكفوي ص (٢٨٨)، ط. مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٣ هـ، شرح الكوكب المنير (٤/ ١٢٥)، سبل الاستنباط من الكتاب والسنة، للدكتور/ محمود توفيق محمد سعد ص (١٠٠ وما بعدها)، ط. مطبعة الأمانة بالقاهرة سنة ١٤١٣ هـ.
(٤) مخطوطة دار الكتب المصرية: الورقة (٢/ أ).
[ ٢٢ ]
٣ - الالتزام بذكر المذاهب الأربعة.
٤ - تقديم الصحيح من مذهب الحنابلة.
٥ - التجرد عن ذكر الدليل والتعليل.
فهو لا يتعرض لذكر الأدلة والاعتراضات ومناقشتها، وإنما يقتصر على ذكر أقوال الأئمة في المسألة، وينص على مذهب أحمد فيها.
٦ - التعريف ببعض المصطلحات، كالقاضي والفخر.
٧ - ذكر طريقة ترتيب الكتاب وأنه قسمه إلى مقدمة وأبواب، تشتمل على فصول، ويتخللها فوائد وتنبيهات.
وقد رتَّب المؤلف موضوعات كتابه ترتيبًا منطقيًا متسلسلا، جاريًا على ما عليه غالب الأصوليين.
كما اهتم في بداية كل باب بذكر التعريف اللغوي، والاصطلاحي لما يتناوله، مع ذكر محترزات التعريف، كما أنه يرد ما لا يرتضيه من الحدود.
ويورد موضوعات كل باب في فصول، ويذيل كثيرًا من الفصول بفوائد وتنبيهات، وقد يقتصر على إحداها، أو لا يذكر شيئًا منها، وربما أورد تنبيهات فقط أو فوائد فقط دون فصول.