قلنا: خلاف الظاهر، فلا يصار إليه لمجرد الاحتمال.
قال: (قالوا: حسن الصدق النافع والإيمان وقبح الكذب الضار والكفران، معلوم بالضرورة من غير نظر إلى عرف أو شرع أو غيرهما.
والجواب: المنع، بل بما ذكر.
قالوا: إذا استويا في المقصود مع قطع النظر عن كل مقدر، آثر العقل الصدق.
وأجيب: بأنه تقدير مستحيل، فلذلك يستبعد منع إيثار الصدق، ولو سلّم فلا يلزم في الغائب، للقطع بأنه لا يقبح من الله تعالى تمكين العبد من المعاصي، ويقبح منّا.
قالوا: لو كان شرعيًا لزم إفحام الرسل، فيقول: لا أنظر في معجزتك حتى يجب النظر ويعكس، أو لا يجب حتى يثبت الشرع ويعكس.
والجواب: أن وجوبه عندهم نظري، فلقوله بعينه، على أن النظر لا يتوقف على وجوبه، ولو سلّم فالوجوب بالشرع نظر أو لم ينظر، ثبت أو لم يثبت.
قالوا: ولو كان كذلك لجازت المعجزة من الكاذب، ولامتنع الحكم بقبح نسبة الكذب إلى الله تعالى قبل السمع، والتثليث، وأنواع الكفر من العالم.
وأجيب: بأن الأول إن امتنع فلمدرك آخر، والثاني ملزم إن أريد التحريم الشرعي).
[ ١ / ٤٣٩ ]
أقول: احتج المعتزلة على إثبات حكم العقل بوجوه:
قالوا: حسن الصدق النافع والإيمان وقبح الكذب الضار والكفران، معلوم بالضرورة من غير نظر إلى عرف أو شرع أو مصلحة أو مفسدة، ولذلك اتفق عليه العقلاء مع اختلاف عرفهم وشرعهم وغرضهم يدل على أنه ذاتي، وإذا كان ذاتيًا في البعض كان ذاتيًا في الجميع، إذ لا قائل بالفرق.
أجاب: بمنع كونه معلومًا بالضرورة، بل بأحد ما ذكر من الشرع أو العرف أو غيرهما، أو لقول بمنع الضرورة في حسنه وقبحه بالمعنى المتنازع فيه.
نعم بمعنى موافقة الغرض ومخالفته مسلّم، لأنا لو قدرنا أنفسنا خالية عن المذكور، لم يحصل لنا جزم بحسنها ولا قبحها بالمعنى المتنازع فيه.
احتجوا ثانيًا: بأنه إذا استوى الصدق والكذب في جميع الأمور التي يمكن أن تكون متعلق الغرض العاقل بحيث لا يختلفان، إلا أن أحدهما صدق والآخر كذب، مع قطع النظر عن كل مقدر يصلح مرجحًا للصدق من شرع أو عرف أو مصلحة أو مفسدة، آثر العقل الصدق، ولولا أن الحسن ذاتيًا للصدق لما آثر العقل الصدق.
أجاب: لا استواء في نفس الأمر؛ لأن لكل واحد منهما لوازم وهما أيضًا متنافيان، ومحال تساوي المتنافيين، فحينئذ تقدير تساويهما تقدير مستحيل، فيمتنع إيثار الصدق على ذلك التقدير استبعاد منعه في نفس الأمر وإنما يلزم لو كان ذلك التقدير واقعًا.
[ ١ / ٤٤٠ ]
سلمنا أن ذلك التقدير ممكنًا، فيكون دليلًا على أن حسن الصدق في الشاهد ذاتي، ولا نسلم أنه كذلك في حق الغائب الذي النزاع فيه، إذ الكلام في الحسن والقبح بالإضافة إلى أحكام الله تعالى، إذ لا دليل عليه إلا القياس على الشاهد، والقياس متعذر لانعقاد الإجماع على الفرق بأنه لا يقبح من الله تعالى تمكين العبد من المعاصي لأنه واقع، والقبح منه تعالى لم يقع، ويقبح من السيد تمكين عبده منها، وإذا جاز ألا يكون الشيء قبيحًا منه وكان ذلك الشيء قبيحًا منا، لا يثبت قياس حسن الصدق في حقه على حسن الصدق في حقنا.
قيل عليه: منع إمكان استوائهما في المقصود مكابرة.
وأيضًا: اختلاف حسن الصدق بالنسبة إلى الغائب والشاهد فيه نظر؛ لأن الذاتي لا يختلف بالنسبة إلى الأشياء.
قولكم: «لأنا نقطع إلخ».
قلنا: هو واقع بقدرة العبد لا بقدرة الله، وعند النظام: الله تعالى غير قادر على منعه منها.
[ ١ / ٤٤١ ]
وأجيب عن الأول: أن إيثار العقل الصدق عند استوائهما في المقصود بمعنى الملائكة والمنافرة مسلّم، وبمعنى الثواب والعقاب ممنوع.
وعن الثاني: لو ثبت أنه ذاتي لم يختلف، لكن النزاع فيه، ثم نفس التخلية بين العبد وبين المعاصي وافق جمهورهم عليه، وهو غير قبيح / منه تعالى، ويقبح من السيد التخلية مع العلم والقدرة.
احتجوا ثالثًا: بأنه لو كان الحسن والقبح شرعيين، لزم إفحام الرسل أي قطعهم وعدم تمكينهم من إثبات نبوتهم، واللازم باطل.
أما الملازمة؛ فلأن الرسول إذا ادّعى النبوة وأتى بالمعجزة على وفق دعواه، وقال للمعاند: انظر في معجزتي كي تعلم صدقي، فله أن يقول: لا أنظر حتى يجب عليّ النظر ويعكس، أي ويقول: لا يجب عليّ النظر حتى أنظر، لتوقف جميع الواجبات بتقدير كون الحسن والقبح شرعيين على ثبوت الشرع المتوقف على النظر في المعجزة، وذلك دور مفحم فيلزم الانقطاع، أو يقول المعاند: لا أنظر في معجزتك حتى يجب عليّ النظر، ولا يجب عليّ النظر حتى يثبت الشرع، ضرورة توقف الوجوب عليه على ذلك التقدير، ويعكس بأن يقول: ولا يثبت الشرع ما لم يجب عليّ النظر، لأنه لا يثبت إلا بنظري، وأنا لا أنظر حتى يجب النظر، وهذا القول حق ولا سبيل للرسول إلى دفعه، فهو حجة عليه، وذلك معنى الإفحام.
أجاب عنه بنقيضين: إجمالي وتفصيلي:
أما الإجمالي: فبأنه مشترك الإلزام، لأن وجوب النظر وإن كان عقليًا عند المعتزلة، لكنه ليس بضروري لتوقفه على إفادة النظر العلم، وعلى أن
[ ١ / ٤٤٢ ]
المعرفة واجبة، وعلى أنها لا تحصل إلا بالنظر، وعلى أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والكل مما لا يثبت إلا بأنظار دقيقة، وإذا كان وجوب النظر لا يعلم إلا بالنظر، فنقوله نحن بعينه عليهم، أي لو كان الحسن عقليًا لزم الإفحام بعين ما ذكرتم، بأن يقول للمعاند للرسول: لا أنظر حتى يجب النظر ولا يجب النظر حتى أنظر، أو يقول: لا يجب النظر ما لم يحكم العقل بوجوبه، ولا يحكم العقل بوجوبه ما لم يجب، فيلزم الإفحام أيضًا، فكلما تجعلونه جوابًا عنه فهو جواب لنا.
وأما التفصيلي: فهو أن نقول: قولك: لا أنظر حتى يجب عليّ النظر غير صحيح؛ لأن النظر لا يتوقف على وجوب النظر، لجواز أن ينظر المعاند قبل وجوب النظر أو قبل العلم بوجوب النظر، بسبب خطور إمكان الوجوب بباله واستلزام ترك ذلك إمكان العقاب، أو سبب آخر.
لا يقال: نحن ما ادعينا توقف حصول النظر على وجوبه حتى يدفع بأن النظر لا يتوقف على وجوبه، بل للمكلف أن يمتنع عن النظر حتى يعلم وجوبه. لأنا نقول: قوله «لا أنظر» إن كان معناه لا يقع مني النظر حتى يجب فممنوع، والسند ما مرّ، وإن كان معناه لا أتوجه إلى النظر حتى يجب عليّ النظر، فوجوب النظر لا يتوقف على التوجه إلى النظر، لجواز أن يحصل من غير توجه إليه، مع أنه لا يلزم من امتناع المكلف من النظر بقوله: «لا أنظر» عدم النظر فلا إفحام، ولو سلّم أن النظر يتوقف على وجوب النظر لكن وجوب النظر لا يتوقف على النظر، بل المتوقف على النظر العلم بوجوب النظر لا وجوب النظر.
[ ١ / ٤٤٣ ]
فقوله: «لا يجب حتى أنظر، أو لا يجب حتى يثبت الشرع» غير صحيح؛ لأن الوجوب عندنا ثابت بالشرع نظر أو لم ينظر، ثبت الشرع عنده أو لم يثبت، وتحقق الوجوب لا يتوقف على العلم به، لأن العلم بالوجوب يتوقف على الوجوب ضرورة أن العلم تابع للمعلوم، فلو توقف الوجوب على العلم به لزم الدور، بل شرط الوجوب تمكن المخاطب من العلم به وهو حاصل لأنه إذا نظر في المعجزة علم صدق النبي، وبعد ذلك يعلم وجوب النظر، فليس من تكليف العاقل في شيء، لأنه يفهم التكليف وإن لم يصدق به.
قال نصير الدين الطوسي: أهل السنة يقولون: [استماع] الأمر بالوجوب وإمكان العلم به يوجبان في المستمع التفحص، فإذا تفحص حصل له العلم السمعي بالوجوب، قال: وهو المراد من قولهم: وجوب المعرفة سمعي.
ثم قال: والصواب إمكان العلم بصدق / الأوامر السمعية، يقتضي وجوب النظر فيها.
[ ١ / ٤٤٤ ]
احتجوا رابعًا: بأنه لو كان شرعيًا، لجاز إظهار المعجزة على يد الكاذب ويلزم انسداد باب إثبات النبوة.
أما الملازمة؛ فلانتفاء القبح الذاتي الموجب لامتناع إظهاره على يده، أو نقول: لو كان شرعيًا لحسن من الله تعالى كل شيء، ولو حسن منه كل شيء لجازت المعجزة من الكاذب.
وأيضًا: لو كان الحسن والقبح شرعيًا، امتنع الحكم بقبح نسبة الكذب إلى الله تعالى قبل ورود السمع، واللازم باطل.
أما الملازمة؛ فلما تقدم، وأما بطلان التالي؛ فلأنه يلزم ألا نجزم بصدقه أصلًا؛ لأنه مما لا يمكن إثباته بالسمع؛ لأن حجية السمع فرع صدقه تعالى، إذ لو جاز كذبه لم يكن تصديقه للنبي إلا على صدق النبي، فيستد باب إثبات النبوة وترتفع الثقة عن كلام الله تعالى. وأيضًا: لو كان شرعيًا امتنع الحكم بقبح التثليث وأنواع الكفر، كنسبة الزوجة والولد إليه تعالى وغير ذلك من العلم قبل ورود السمع، واللازم باطل.
أما الملازمة؛ فلما تقدم، وأما بطلان التالي؛ فلأن العقلاء لا يحكمون بقبح ذلك، وبعضهم شرحه: وأنواع الكفر من العالم بقبح ذلك بكسر اللام، وأكثرهم شرح بفتحها، والكل صحيح.
أجاب المصنف: لا نسلم امتناع إظهار المعجزة على يد الكاذب امتناعًا عقليًا، ولو سلّم امتناعه فلا نسلم أن القبح العقلي استلزم انتفاء الجواز أن يمتنع لمدرك آخر، إما لأنا نعلم علمًا عاديًا امتناع المعجزة على يد الكاذب،
[ ١ / ٤٤٥ ]