قال في المنتهى: ويرد عليه: ﴿نعم العبد﴾، ﴿فنعم الماهدون﴾.
ويمكن أن يقال: يمكن أن تعلم الفائدة التي دلّت عليها الآتيان من غير الخبر.
قيل: يرد عليه مثل «صلوا كما رأيتموني أصلي»؛ لأنه يتحصل من فعله، فلا يكون حكمًا.
ردّ: بأن الحكم الذي هو الإيجاب لا يفهم إلا من صلّوا، والمفهوم من فعله كيفية الصلاة الواجبة، أو نقول: هو كاشف للحكم؛ لأنه حكم، على أن الفائدة ليست هي الحكم وإلا لزم الدور، بل هي ما يكون الشيء به أحسن حالا.
قال: (فإن كان طلبًا لفعل غير كف، ينتهض تركه في جميع وقته سببًا للعقاب، فوجوب.
وإن انتهض فعله خاصة للثواب، فندب.
وإن كان طلبًا لكف عن فعل، ينتهض فعله سببًا للعقاب، فتحريم.
[ ٢ / ١٣ ]
ومن يسقط غير كفّ في الوجوب يقول: طلبًا لنفي فعل في التحريم.
وإن انتهض تركه خاصة للثواب، فكراهة.
وإن كان تخييرًا، فإباحة.
وإلا، فوضعي.
وفي تسمية الكلام في الأزل خطابًا خلاف).
أقول: لما فرغ من تعريف الحكم شرع في تقسيمه.
والحكم إما طلب أو لا، والطلب لا يكون إلا بفعل؛ لأن العدم غير مقدور، والفعل إما كف أو لا، وعلى التقديرين فالإتيان به يكون سببًا للثواب لأنه طاعة، وأما تركه في جميع وقته فقد يكون سببًا للعقاب وقد لا، فهذه أربعة أقسام:
- فإن كان طلب الفعل غير كف ينتهض تركه في جميع وقته سببًا للعقاب فوجوب، بالطلب يخرج التخيير والوضعي، وغير كف يخرج الحرمة والكراهة؛ لأنهما فعل هو كف على رأي من يقول الكف فعل؛ لأن الطلب عنده لا يكون إلا بفعل
وقوله: (ينتهض تركه سببا للعقاب) أي يصير تركه سببًا لاستحقاق العقاب، لا لثبوت العقاب، لجواز العفو، فيخرج الندب.
وقال: (في جميع وقته) ليدخل الواجب الموسع؛ لأن تركه في الوقت
[ ٢ / ١٤ ]
لا ينتهض سببًا للعقاب، نعم تركه في جميع الوقت ينهض سببًا للعقاب، ولا يرد الصوم لأن جزءه النية وهو فعل، ولا يكون طلب كف.
(واعلم أن الحكم خطاب الله، فالإيجاب نفس قوله: [افعل]، وليس للفعل منه صفة [حقيقية]، فإن القول ليس لمتعلقة منه صفة لتعلقه بالمعدوم، فإذا نسب إلى الحاكم سمي إيجابًا، وإذا نسب إلى ما فيه الحكم [وهو الفعل] سمي وجوبًا، وهما متحدان بالذات متغايران / بالاعتبار، فلذلك يجعلون مرة أقسام الحكم الإيجاب والتحريم، وتارة الوجوب والحرمة، وتارة الوجوب والتحريم كما فعل المصنف)
- وإن كان الحكم طلبًا للفعل غير كف ينتهض خاصة سببًا للثواب، أي لاستحقاق الثواب، فندب.
وقال: (خاصة) ليعلم أنه لا يترتب على تركه شيء، فيخرج الوجوب.
- وإن كان الحكم طلبًا لكف عن فعل ينتهض فعل ذلك الشيء سببًا لاستحقاق العقاب، فتحريم.
فقوله: (طلب) يخرج التخيير والوضعي، وقوله: (غير كف) يدخل التحريم والكراهة.
[ ٢ / ١٥ ]
[وقوله]: (ينتهض فعله سببًا للعقاب) أي لاستحقاق العقاب، يخرج الكراهة، ومن يسقط غير كف في الوجوب ويرى أن يكون لفعل ويكون لعدم الفعل، يقول في التحريم: طلب نفي الفعل، ويريد بنفي الفعل عدمه ليخرج الكف.
- وإن انتهض الكف خاصة للثواب، فكراهة.
وقال: (خاصة) ليخرج التحريم؛ لأن فعله ينتهض سببًا للعقاب، فعلم أن فعل المكروه لا يترتب عليه شيء.
- أما غير الطلب، فإن كان تخييرًا بين الفعل والترك فإباحة، وإلا فخطاب وضع، وبهذا التقسيم يعرف رسم كل قسم منها.
واعلم أن وجوب الكف في كف نفسك يرد على حد الوجوب ويرد على حد التحريم، والحق أن إيجاب الكف تحريم للفعل، فلابد من اعتبار الإضافة فيها بأن يقال: الطلب إما أن يعتبر من حيث تعلق بالفعل، أو من حيث تعلق بالكف عنه، بأن حمل عليه كلامه، بقي قوله: غير كف غير محتاج إليه.
واختلف الأصوليون في تسمية الكلام في الأزل خطابًا، وهو لفظي ينبني على تفسير الخطاب؛ فمن قال: الخطاب الكلام الذي يقصد به
[ ٢ / ١٦ ]
الإفهام سمى الكلام في الأزل خطابًا؛ لأنه يقصد به الإفهام في الجملة، ومن قال: هو الكلام الذي يقصد به إفهام من هو متهيء للفهم لا يسميه في الأزل خطابًا، وينبني عليه أن الكلام حكم في الأزل، أو يصير حكمًا.
قيل: وعلى هذا يجب أن يحمل الكلام على اللفظي لا النفسي؛ لأن الكلام النفسي لا يقصد به الإفهام، ولا يقع به التخاطب، وفساده ظاهر ويجب أن يفسر الخطاب لمدلول يقصد به الإفهام، إذ الكلام عند الأشعري النفسي لا اللفظي، وفيه ما مرّ، وكل من عرّف الحكم بخطاب الله، وقال: إن الحكم قديم، يلزمه أن يكون في الأزل خطابًا.