وعُلم بهذا الحصر حدود سائر / الأقسام، يعني حدودًا رسمية، وهو ظاهر.
قال: (والعلم ضربان: علم بمفرد، ويسمى تصورًا ومعرفةً.
وعلم بنسبة، ويسمى تصديقًا وعلمًا).
أقول: لما كان علم الشرع للفكر فيه مجال في اكتساب بعض تصوراته وتصديقاته، احتيج إلى قواعد من علم المنطق لكيفية اكتسابها بالحدود والدلائل، ولو أحالوها على كتب الأوائل لعسر على كثير من علماء الشرع الشروع فيما ليس شرعيًا مع عدم الاحتياج إلى كثير منها في الشرع، فانتزع منها القدر المحتاج وجعل مقدمة للأصول التي هي أدلة الفقه، صونًا للذهن عن الغلط في أصول الأحكام الشرعية، فهي [من] تتمة مبادئ هذا الكتاب، مع أنه لا بيان لها في علم شرعي مشهور، فبينها ها هنا كما فعل الغزالي.
قوله: (العلم ضربان) تقسيم للعارض الذي هو العلم بالمعروض الذي هو المفرد وإيقاع النسبة، والعلم المقسم هو الصورة الحاصلة عند الذات المجردة، وهذا خير من قولهم: حصول صورة الشيء عند العقل، لخروج علم الواجب، وخير من قولهم: حصول صورة من الشيء عند العقل، لما
[ ١ / ١٩٠ ]
تقدم [ولخروج شيء من الصورة] وأيضًا [الأشياء] التي لا وجود لها في الخارج ليست [أشياء] انتزعت هذه منها، مع أن علم الله تعالى غير منتزع من شيء، والألف واللام في الشيء في الرسمين معًا ليست للعهد فلا يرد قولهم: صورة الشيء إن لم تكن مطابقة له، لم تكن صورة له.
إذا عرفت هذا فالعلم بهذا المعنى يصدق على الجهل والتقابل بين المفرد، وإيقاع النسبة تقابل العدم والملكة، وإنما حملنا قوله: (وعلم بنسبة) على إيقاع نسبة؛ لأن العلم بنفس النسبة تصور، فما ليس إيقاعًا بنسبة مفرد، سواء كان مركبًا أم لا، والعلم المتعلق به في الحالين يسمى تصورًا، ولهذا كان العلم المتعلق بنفس النسبة تصورًا، والمنطقيون يسمون ما يتعلق بالمفرد تصورًا لأنه ليس إلا حصول صورته، ويسمون ما تعلق بإيقاع نسبة أو انتزاعها تصديقًا؛ لأنه ليس إلا الحكم بأن هذا مطابق لما في الخارج أو لا.
وسمي تصديقًا له بأشرف عارضيه، وبعض الأصوليين يسمون الأول معرفة؛ لأن العلم يتعلق بالنسبة، فلهذا يتعدى إلى مفعولين، والمعرفة تتعلق بالمفرد، فلهذا تتعدى إلى واحد فقط، والتصديق نفس الحكم عند
[ ١ / ١٩١ ]
الفارابي وابن سيناء، وعند الإمام فخر الدين ومن تابعه الحكم جزء التصديق، والمصنف لم يصرح بواحد من الرأيين.
فقيل على الأول: الحكم من مقولة أن يفعل، والعلم من مقولة أن ينفعل، أو من مقولة الكيف، وأيًا ما كان لا يندرج الحكم تحته.
وأجاب بعض أهل العصر: بأن النفس ليس لها تأثير، وإنما لها قبول وإذعان وإدراك لوقوع النسبة، فالحكم من مقولة الكيف، فدخل تحت العلم.
قال: لأن الأفكار ليست موجدة للنتائج، بل معدات للنفس لقبول الفيض، فدل ذلك على أن الحكم صورة إدراكية، إذ لو كان فعل النفس كانت موجدة للنتائج، وفعل الشخص لا يحصل من غيره.
[ ١ / ١٩٢ ]
قلت: فيه نظر؛ لأن الحاصل من الله تعالى الإقدار، وهو معنى قولهم: النتيجة تفيض، وإلا لم يضف إلينا فعل؛ إذ الجميع فعل الله.
والحق أن الذي يخرجنا عن هذا، أن نقسم العلم كما فعل ابن سينا إلى تصور ساذج، وإلى تصور معه تصديق.
قيل عليه: الإدراك الساذج إن كان إدراك الحقيقة من حيث هي والمقسم كذلك، انقسم الشيء إلى نفسه وغيره، وإن كان الإدراك المقيد بعدم الحكم، لزم شرط الشيء بنقيضه إن جعلنا التصور / شرط التصديق، أو تقوم الشيء بالنقيضين إن جعلناه جزؤه.
وجوابه: أنه الإدراك الذي لا يعتبر معه الحكم، ولا امتناع في تقوم الإدراك الذي يعتبر معه الحكم بالإدراك الذي لا يعتبر معه الحكم، كما أنه لا امتناع في تقوم الأربعة - التي يلحقها الزوج - بالثلاثة التي لا يلحقها.
سلمنا، ونختار الثاني، والموجود في التصديق ما صدق عليه التصور لا مفهومه؛ لأن كثيرًا من يحكم ولا يعرف مفهوم التصور، ولا يلزم أن يكون عدم الحكم معتبرًا في التصديق، وإنما يلزم ذلك لو كان مفهومه ذاتيًا لما تحته، أما مع جواز كونه عرضيًا فلا.
[ ١ / ١٩٣ ]