قلت: وفيه نظر؛ إذ التوقيف والإقدار في كونه لطفًا سواء.
قال: (فلنتكلم على حدها، وأقسامها، وابتداء وضعها، وطريق معرفتها.
الحد: كل لفظ وضع لمعنى.
أقسامها: مفرد، ومركب).
أقول: أمر المتكلم نفسه قليل، ومنه قوله تعالى: ﴿ولنحمل خطاياكم﴾ وحصر المصنف النظر في الموضوعات اللغوية في أربعة أقسام:
الأول: الحد، إذ هو طريق معرفة الماهية.
الثاني: أقسامها، من كونها مفردة ومركبة.
الثالث: في ابتداء الوضع، أهي توقيفية أو اصطلاحية، ليتفرع على ذلك التغير والنقل.
الرابع: طريق معرفتها أهو النقل، أو العقل، أو المركب منهما.
أما الحد: فكل لفظ وضع لمعنى.
(كل) لا تدخل في الحد؛ لأنه للماهية من حيث هي، ولا يدخل فيها عموم؛ ولأنه يجب صدقه على كل فرد، ولا يصدق بصفة العموم، فذكرها إما للإشعار بأنه لا يختص بقوم دون قوم، أو لأنه يحد الموضوعات
[ ١ / ٢٨٧ ]
بصفة العموم، فوجب اعتبارها فيه، فيكون للكل المجموعي؛ لأن الموضوعات مجموع الألفاظ لا كل واحد.
فلفظ ومعنى، مصدران يدل كل منهما على القليل الكثير.
فكأنه قال: مجموع ألفاظ وضعت لمعانٍ.
قيل: إن أريد كل واحد لم يتناول المركب، ويلزم أن يكون العارف بكلمة لغويًا، وإن أريد الكل المجموعي لزم أن لا يوجد لغوي أصلًا.
وفيه نظر؛ لأن المعنى ما صدق عليه أنه لفظ موضوع، [والمركب صدق عليه أنه لفظ موضوع] لمعنى، ضرورة أن أجزاءه وضعت لأجزاء المعنى، أو نختار الثاني، ويكون اللغوي المستعد للعلم بالجميع.
والوضع: اختصاص شيء بشيء، بحيث إذا أطلق الأول فهم الثاني من علم الاختصاص.
وبقوله: (وضع لمعنى) خرج المهمل، وهذا يشمل ما مدلوله لفظ كالاسم والفعل والحرف؛ لأنه معنى أيضًا، إذ المعنى هو المقصود بشيء، وهو أعم من كل منهما، وظهر أن مذهبه أن المركبات موضوعة أيضًا، إذ المعنى بالوضعي ما للوضع فيه مدخل وأجزاء اللفظ موضوعة لأجزاء المعنى،
[ ١ / ٢٨٨ ]
وليس المراد بالوضعي ما وضع اللفظ له، وإلا لم يكن الدال بالتضمن والالتزام وضعيًا.
قيل: أن أريد أن المركب وضع وضعًا شخصيًا، لم تنحصر الوضعية في الدلالات الثلاث لعدم وضع المركب بالشخص؛ لأن المشخصات لا تدخل في الوضع المذكور، وإن أريد الوضع النوعي، يلزم انحصار الموضوع في الدال بالمطابقة؛ لأن المدلول التضمني والالتزامي مجازي، واللفظ موضوع بإزاء المعنى المجازي وضعًا نوعيًا.
قلت: نمنع الوضع للمجاز، وإنما استعمل اللفظ في المدلول فقط، ولا يلزم من كون دلالة اللفظ عليه بسبب الوضع أن يكون اللفظ موضوعًا له، ودلالة المركب لا تخرج عن الدلالات الثلاث؛ لأن دلالة المركب إما على مدلول مفرديه، أو على مدلول أحد مفرديه، أو على لازم مجموعهما، لا يكون مدلول واحد منهما، والأول إما أن يدل على مدلول مفرديه، أو على مدلول واحد لمفرديه، والأول من هذين ينحصر في ستة أقسام، لأن دلالتي المفردين على مدلوليهما إما بالمطابقة، أو بالتضمن، أو بالالتزام، أو دلالة أحدهما بالمطابقة، والآخر بالتضمن، أو دلالة أحدهما مطابقة /
[ ١ / ٢٨٩ ]
والآخر التزام، أو دلالة أحدهما بالتضمن والآخر بالالتزام، والأول مطابقي.
والثاني والرابع تضمني؛ لأن مجموع الجزء وجزء الجزء جزء.
والثالث والخامس والسادس التزامي؛ لأن مجموع الجزء والخارج خارج. والثاني منهما ينحصر في خمسة أقسام؛ لأن ذلك المدلول الذي دل عليه المركب، إن كان خارجًا عن كل واحد منهما فدلالته عليه التزام إلا فتضمن وهو أربعة أقسام: تضمن لهما، ومطابقي لأحدهما وتضمني للآخر، ومطابقي لأحدهما والتزامي للآخر، وتضمني لأحدهما والتزامي للآخر.
والثاني ينحصر في ثلاثة أقسام: قسمان تضمن، وقسم التزام، فإن كانت دلالة المفرد بالمطابقة فتضمن، وإن كانت بالتضمن فتضمن، وإن كانت بالالتزام فالتزام، والثالث لا يكون إلا التزامًا؛ لأن مدلوله المطابقي هو من مدلولات مفرداته المطابقية، ومدلوله التضمني إنما هو جزء من مدلولات مفرداته، فالأقسام تنحصر في خمسة عشر، لا تخلو كلها عن الدلالات الثلاث، وعليك استخراج الأمثلة.
قيل: لم يوضع عين اللفظ لعين المعنى في المركب، ولم توضع أجزاؤه لأجزاء المعنى؛ لأن منها الجزء الصوري وليس موضوعًا لمعنى، وإلا لتوقف كل تركيب على معرفة وضعه، فلا يكون المركب موضوعًا.
وجوابه: أن الأجزاء المادية موضوعة للأجزاء المادية، والجزء الصوري موضوع للجزء الصوري؛ لأن المعنى أيضًا مركب من مادة وصورة، غير أنها ليست موضوعة بالشخص لكنها موضوعة بالنوع، ولذلك تختلف
[ ١ / ٢٩٠ ]